الرئيسية / مقالات / محمود وليد عبد الناصر يكتب: على هامش مئوية انتهاء الحرب الأولى

محمود وليد عبد الناصر يكتب: على هامش مئوية انتهاء الحرب الأولى

الرابط المختصر:

محمود وليد عبد الناصر

يحتفل العالم في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، بمرور قرن على انتهاء الحرب العالمية الأولى، أو التي يطلق عليها البعض «الحرب العظمى» بينما يسميها آخرون، بخاصة من اليساريين، «الحرب الاستعمارية». ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى قمة في باريس للاحتفال بالهدنة التي وضعت نهاية لتلك الحرب، يحضرها 60 من قادة الدول وفي مقدمهم الرئيسان الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين والمستشارة الألمانية أنغيلا مركل التي ستلقي كلمة في المناسبة، في وقت حذر الرئيس الفرنسي مواطنيه من إقامة احتفالات بـ «النصر» في هذه الحرب، بهدف تجنب حدوث أي استفزاز لمشاعر الدول التي خسرتها.

وتأتي هذه المناسبة لتمنح العالم فرصة لتأمل تلك الحرب، ليس فقط من جهة أحداثها وتفاعلاتها التي صارت في ذمة التاريخ، ولكن أيضاً، وقد يكون ذلك هو الذي يعنينا في عالم اليوم، من جهة النتائج التي تمخضت عنها، أو من جهة الدروس المستفادة منها.

ومن المفارقات أنه بينما تمت معالجة نتائج الحرب العالمية الثانية بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي وإعادة رسم خريطة أوروبا وحدودها، بخاصة توحيد ألمانيا مقابل انقسام تشيكوسلوفاكيا إلى جمهوريتي التشيك وسلوفاكيا، بالإضافة إلى انتهاء تقسيم أوروبا بين شرق وغرب بدايةً من انهيار سور برلين في العام 1989، وغير ذلك من تغييرات أجهزَت من الناحيتين؛ العملية والقانونية، على النتائج العسكرية ومن ثم السياسية التي ترتبت على تلك الحرب. أما نتائج الحرب العالمية الأولى فباقية معنا حتى اليوم، سواء في ما يتعلق بمنطقتنا العربية، أو بالشرق الأوسط بمعناه الجيوبوليتيكي في سياقه العام. ونستحضر هنا اتفاق «سايكس بيكو» البريطاني الفرنسي السري، في حينه، والذي أحيا العالم، بخاصة الوطن العربي، منذ عامين مئويته الأولى. وهو اتفاق ارتبط ارتباطاً وثيقاً وعضوياً بما أدت إليه الحرب العالمية الأولى من ترتيبات وتفاهمات بين القوى الاستعمارية الأوروبية آنذاك تخص المنطقة العربية وجوارها المباشر، تمت محاولة إضفاء الصبغة القانونية الدولية عليها لاحقاً، سواء في مؤتمر فرساي وما تمخض عنه من معاهدة، أو من خلال عصبة الأمم، وهي التنظيم الدولي الذي نشأ في أعقاب انتهاء تلك الحرب. ولذا، وفي ضوء ما تقدم، فإنه ليس من المستغرب أن الحديث دائر منذ سنوات عن تعديل النتائج التي أسفرت عنها الحرب العالمية الأولى، مع الإشارة دوماً إلى المنطقة العربية والشرق الأوسط خصوصاً، وهو حديث يأتي من مصادر إقليمية ودولية عدة، كل له أسبابه ودوافعه ومبرراته، التي في الأساس تعبر عن مصالحه، وربما أيضاً تنبع من ذاكرته التاريخية وتعكس طموحاته المستقبلية. ويندرج في ظل هذا الطرح أيضاً ما يتردد من حديث ضمنياً أحياناً وصراحةً أحياناً أخرى، عن الحاجة إلى «سايكس بيكو 2»، يهدف، ضمن أمور أخرى، إلى إعادة رسم خريطة المنطقة، في ضوء تطورات إقليمية ودولية تلاحقت على مدى القرن المنصرم، أو ضمن مجمل سياق تفاعلات العالم العربي مع دول الجوار واللاعبين الدوليين الرئيسيين. ولئن مثَّلت نتائج الحرب العالمية الأولى التجسيد الحي للانهيار الأخير لـ»الرجل المريض»، أي الدولة العثمانية في ذلك الوقت، فإن الفترة الراهنة هي بلا شك تمثل انعكاسات لمشاريع طرحت، بخاصة على مدار العقدين الماضيين، بغرض إعادة صياغة المنطقة ومعالمها وحدودها وفق أسس ومعايير جديدة، وإن تباينت أو تعددت وتنوعت التفسيرات، فبدءاً من أطروحات «الشرق الأوسط الكبير أو الممتد»، ومروراً بتداعيات انتفاضات وثورات ما أطلق عليه إعلامياً تعبير «الربيع العربي»، ووصولاً إلى ما يطلق عليه «صفقة القرن» من جهة و»الصراع السني/ الشيعي» من جهة أخرى، ومن دون أن نتجاهل محطات مهمة مثل غزو العراق عام 2003، وتدخل حلف شمال الأطلسي في ليبيا عام 2012، والتركيبة المعقدة للصراعات الإقليمية والدولية التي تنعكس على الحالة السورية منذ سبع سنوات. وتتبدى من خلال ذلك مخططات وسيناريوات يسعى أصحابها إلى كتابة فصل جديد في تاريخ المنطقة يختلف عما سبقه، سواء في مكوناته أو في ركائز شرعيته.

وإذا انتقلنا من مسألة إعادة معالجة نتائج الحرب العالمية الأولى بالنسبة للشرق الأوسط والمنطقة العربية لنتناول الدروس المستفادة من تلك الحرب، فأولها يكون أن عدم مراعاة العدل في معالجة نتائج تلك الحرب على مستوى القارة التي انطلقت منها وشهدت أهم معاركها، أي القارة العجوز أوروبا، أدى إلى أن تندلع حرب عالمية تالية أكثر تدميراً في نتائجها البشرية والمادية، وأكثر خطورة في دوافعها العقائدية والأيديولوجية، وأكثر اتساعاً في نطاق غطائها الجغرافي من الحرب الأولى، وذلك بعد أكثر قليلاً من عقدين على انتهاء الحرب الأولى. كما أن تجربة التنظيم الدولي الأممي الطابع الأول من نوعه في التاريخ الحديث، ممثلاً في عصبة الأمم، والذي نتج عن الحرب فشل في تحقيق الأهداف المتوخاة من وراء إنشائه وتحديداً الحفاظ على السلم والأمن الدوليين وانهار في نهاية المطاف غير مأسوف عليه بعد أن كانت دول مهمة في النظام العالمي إما لم تنضم إليه أصلاً مثل الولايات المتحدة الأميركية، أو انسحبت من صفوفه، أو اتهمته بعدم الفعالية وانعدام القدرة والآليات على فرض تنفيذ قراراته.

وثاني تلك الدروس هو أن الحرب العالمية الأولى أثبتت، وبغض النظر عن البواعث الآنية التي فجرتها في توقيت معين ووفق ظروف بذاتها مثل اغتيال ولي عهد الإمبراطورية النمساوية المجرية على يد مجموعة من الصرب آنذاك، أنها كانت في الأساس والجوهر منها تتويجاً درامياً ونتاجاً منطقياً ومتوقعاً لمسيرة طويلة ومريرة من التنافس المحموم حول السيطرة على المستعمرات، سواء في العالم القديم أو الجديد المكتشف حديثاً نسبياً من المنظور التاريخي، وما تحتويه من ثروات وما تمثله من أسواق وكذلك ما تملكه من مواقع حيوية واستراتيجية. وكذلك الصراع للسيطرة على طرق المواصلات الرئيسة في العالم، سواء منها المستخدم لأغراض أمنية واستراتيجية أو لغايات تجارية. وكان هذا الصراع محصوراً بين القوى الاستعمارية الأوروبية، إلا أنه سرعان ما انفلت عقاله من الإطار المحدود والمتعارف عليه الخاص بالتناول السياسي والمعالجة الديبلوماسية؛ لينزلق إلى منحدر المواجهات العسكرية المباشرة ويجر العالم بأسره إلى حرب كونية لم يكن لمعظم شعوب العالم في ذلك الوقت، بخاصة شعوب المستعمرات، ناقة فيها ولا جمل. وثالث الدروس المستفادة هو أن نتائج الحرب العالمية الأولى أفرزت واقعاً جديداً إزاء الكثير من الموضوعات والقضايا، ولكنه في غالبية الأحيان لم يكن حاسماً ولم يتحقق حوله توافق إقليمي أو دولي شامل، ما جعله يفتح الباب للكثير من المشكلات والتحديات والصراعات، بل والحروب، التالية ولمدة عقود حتى يومنا هذا من دون معالجة أو من دون حدوث ما يبشر حتى بفرص تسوية عادلة ومستدامة ومتوافق عليها لهذه النزاعات. وينطبق هذا على عدد من الحالات في وطننا العربي، وفي المقدمة منها بالطبع الحالة الفلسطينية بتعقيداتها وتحولاتها منذ صدور وعد بلفور أثناء الحرب العالمية الأولى عام 1917 ثم إدماجه في صك الانتداب البريطاني على فلسطين وما تلى ذلك من تطورات درامية، وهناك ما يقع من تلك القضايا بشكل مشترك ما بين داخل حدود وطننا العربي ولكن أيضاً في جواره الجغرافي المباشر، مثل الحالة الكردية.

فالحرب العالمية الأولى شهدت صدور وعود هنا وهناك، منها الصريح ومنها الضمني، ومنها السري ومنها العلني، للأكراد بممارسة حق تقرير المصير، ولكن المحصلة النهائية المتمثلة في معاهدة فرساي، ثم التفاعلات التالية لمعاهدة «سيفر» عام 1920 من بعدها؛ لم تسفر عن معطيات واضحة ومحددة في هذا الشأن. فعلى رغم أن الأخيرة نصّت على استفتاء لتقرير مصير أكراد تركيا، من دون أن يشمل الأكراد في بلدان عربية أو غير عربية أخرى، فإن معاهدة لوزان (1923) تجاهلت هذه الإشارة في ظل مشاركة الجمهورية التركية الوليدة بعد الاعتراف الأوروبي والعالمي بها. كان ما تقدم مجرد تذكير، في الذكرى المئوية الأولى لانتهاء الحرب العالمية الأولى، بحقيقة أنه ما زال أمام العرب وجيرانهم والعالم مهام تسوية الكثير من النتائج غير المحسومة والمعلقة التي تمخضت عن تلك الحرب، ولكن طبقاً لمعايير العدالة والإنصاف وفي ظل ما تمثله مبادئ وقواعد القانون الدولي المتفق والمتعارف عليها، كما كان تذكرة لبعض الدروس المستفادة من تلك الحرب المدمرة التي كلفت العالم، بما فيه منطقتنا العربية، الكثير من ويلات الدمار والخراب ومن الخسائر البشرية التي لا تعد ولا تحصى، على أمل تجنب إعادة إنتاج مثل تلك السيناريوات الكارثية في المستقبل.

المصدر: االحياة

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

حنا صالح يكتب: لبنان ساحة رئيسية للمواجهة

حنا صالح ضمن خطاب زعيم «حزب الله» السبت، الماضي، كل مفردات لغة ...