الرئيسية / مقالات / عمار ديوب يكتب: في الدينامية الثورية وضرورة إسقاط الأنظمة

عمار ديوب يكتب: في الدينامية الثورية وضرورة إسقاط الأنظمة

الرابط المختصر:

عمار ديوب

انطلقت الثورات العربية بسبب السياسات الاقتصادية الليبرالية؛ فهذا الجديد الذي أوجد أزماتٍ اجتماعية كبيرة، وأجبر الناس على الثورات، وحتى في غياب أحزابٍ فاعلة، أو أية أشكال تنظيمية توحّدُ البشر. القمع قديم، لكنه أخضع البشر وأذلّهم ولم يُثوِّرهم. أمّا الأزمة الاقتصادية فهي المسبب الفعلي. القمع، في أتون الثورات وقبله، يعد سبباً أيضاً للثورات، ولكن بالدرجة الثانية.
الآن، هل انتهت الأزمة حتى تنتهي الثورات؟ ما حدث للربيع العربي من إخفاقات (وثورةٍ مضادّة)، ولأسباب متعدّدة، ومنها الأنظمة والتدخلات الخارجية والحروب والإسلام السياسي والمعارضات الفاقدة البرامج الاجتماعية الشعبية، أقول كلها أسباب منعت تطوّر الثورات وإسقاط الأنظمة بشكل كامل. ولكن ما لا ينبغي تأكيده، من دون اشتراطات، أن الأنظمة نجحت والثورات فشلت؛ فأولاً هناك أنظمة سقطت، كالتونسي والمصري والليبي واليمني، وهناك أنظمةٌ دخلت في حروبٍ كبيرة، كسورية وليبيا واليمن، وهناك أنظمةٌ استعادت الديكتاتورية كمصر. وفي تونس، هناك نظام سياسي لم يستقر شكله بعد، على الرغم من اعتماده الديمقراطية بشكل شبه نهائي.
هذه التغيرات مهمة، وحدثت بسبب الثورات، لكن الاستقرار الجديد (ديكتاتورية، حروب، احتلالات، ديموقراطية متدنية) لا تعني، بأي حالٍ، أن الربيع العربي انتهى إلى غير رجعة؛ فبعد موجة التراجع للثورات، انتفض كل من العراق والمغرب والأردن. إذاً، الثورات والانتفاضات المتكرّرة قابلة للتجدّد. الهزائم التي مُنيت بها الثورات لم تترك الأنظمة قوية أبداً؛ فالنظام السوري أصبح أداة للاحتلالات، والمصري والتونسي مرهونان للبنوك الدولية، وبالكاد اليمن وليبيا يمنعان التقسيم. السؤال الآن: هل يصحّ القول، بعد هذا التوضيح، “إن الدينامية الثورية قُتِلت إلى أجل غير مسمّى”، أو إن الثورات لم تترك “تراثاً”، وكذلك لا يصح القول “أين هو الربيع العربي”. وما قلته أعلاه يوضح خطأ القول “سحابة الخطر المسماة الربيع العربي زالت، والشعوب العربية، دخلت في طور السكون من الشرق إلى الغرب”. كما كتب غازي دحمان في مقالته “افتتاح معبر نصيب وإغلاق باب الربيع العربي” في “العربي الجديد” (19/10/2018). ويتكرر هذا الرأي في بعض مقالات الرأي العربية.
المشكلة بمنطق الصديق غازي دحمان هي نفسها لدى المعارضة السياسية؛ فالثورات لديهم حدثت لأسباب سياسية، وليس لأسبابٍ اقتصادية اجتماعية وسياسية، فهي بسبب “عقود سبعة تحت حكم الأسد المافيوي”. ويضيف “لا نتيجة الغلاء في ذلك العام 2010″، بل “نتيجة تراكم للغضب والإحباط والألم والأمل”. هذا منطق المهزومين الذين فوجئوا بالثورات 2010؛ أمّا الشعب فكان واقعاً تحت أنظمةٍ مانعةٍ أي شكل من الحريات، وبالتالي انساق مع رؤى المعارضة التي كانت تريد الحرية السياسية والديموقراطية، وقد حلمت بالسلطة، ووصلت إليها (مصر وتونس)، لكن مشكلتها أنها لم تقرأ الواقع، بل استفادت من حدّة تفجّره وسرعة توسع الثورات. وبالتالي، وبدلاً من رؤية أسباب الثورات، والنظر إلى حياة الناس من فقر وبطالة وتعليم سيئ وتدهور للزراعة والصناعة وتعميم سياسات ليبرالية لصالح “مافيات” مالية محدّدة، سعت خلف برامجها القديمة، وهي ترفعها قبل الثورات، باستثناء إسقاط الأنظمة. ظهرت الأخيرة وتعاظمت، بسبب الثورات الشعبية تحديداً.
انطفاء الثورة في تونس ومصر وسورية وليبيا واليمن لم يمنع تجدّدها في المغرب والأردن والعراق. إذاً لا يمكن القول إن ديناميتها الثورية انتهت. إطالة أمد الحرب في سورية واليمن وليبيا كانت بغرض تعليم الشعوب الدروس الدموية بألّا يقوموا بالثورات، وربما يتأخر تفجّرها مجدّداً، وربما تخاف الشعوب بدرجةٍ ما. ولكن ماذا ستفعل الشعوب بأزمتها؟ هنا المسألة الدائمة بديمومة الأنظمة، وهي القضية التي يجب مناقشتها، وكذلك كيف ستتجدّد الثورات؟
مهمة الثقافة العقلانية الثورية دراسة الواقع، وما تموضعت عليه أحوال العالم العربي. ويقع على الدراسة هذه قراءة الوضع الاقتصادي ومعدلات الفقر. ويؤكد تراجع ألاعيب أنظمة كالتونسي والمصري، وتكشُّفُها كأنظمة تعيد إنتاج القمع والنهب والفساد بحجة الإرهاب والأسلمة، أن الثورات ستتجدّد.
التوحش الليبرالي العالمي، والذي بدأ بمصطلحات النظام العالمي الجديد في تسعينيات القرن المنصرم والعولمة والخصخصة واللبرلة، باعتبارها بدائل عن الأنظمة الاشتراكية، ودول “الشراكة بين العمال ورأس المال في أوروبا” وصل إلى نهايته، مع تفجر الأزمات الاقتصادية في عام 2008، والتي لم تتوقف أبداً، وأخذت أشكالاً عدة، حتى تفجّرت عربياً 2010؛ أقول إن هذا الشكل من التوحش يفرض الثورات بشكل حتمي. وبالتالي ضمن تحليلٍ كهذا، ليس هناك من حلول ممكنة للأزمات، في ظل أنظمة التبعية والديكتاتورية والحروب الأهلية والاحتلالات.
التعقيدات التي شكلتها الأنظمة السابقة والاحتلالات أمام الشعوب وتوريطها بالطائفية والإقليمية و(القومية والإثنية) والقبلية، لا تقدم حلولاً للمشكلات، وربما تُسهل دفعها في حروب طويلة الأمد؛ ولكن ذلك لا يعني بأي حالٍ أن الواقع يمكن أن يستقر، والتناقضات يمكن أن تتجمّد، فمع غياب العمل والجوع واستمرار الحروب وتدهور كل المرافق، كالصحة والصرف الصحي والتعليم والبنية التحتية، ليس هناك إلا التفجرات الاجتماعية، والثورات والمشاريع الوطنية.
برز الإسلام السياسي إشكالية كبرى مع تفجّر الثورات، فهو يبيع الأوهام للناس بمشروع ديني، ولا أحد يعرف ماهيته خارج الكلام عن (الإسلام هو الحل)، أو هو دنيا ودين، بينما هناك أطروحات من نقاد له، وتتكلم عن ما بعد الإسلام السياسي، أي دمقرطته، واعتماده المواطنة، وتخليه عن الدين في السياسة واقتصاره على الأخلاق والدعوة الدينية. تجربة حركة النهضة في تونس مهمة، وكذلك تجربة تركيا، لكنها استثناءات. الفكرة الأخيرة يتداولها نقاش عربي وإسلامي واسع، ويؤكّد ضرورة أن ينحصر الدين بمجالي الدعوة والأخلاق. وبالتالي، ومع تفجر الثورات مجدّداً، يجب العمل من أجل مشاريع وطنية، رافضة الطائفية والقبلية والمناطقية، وتراعي التنوع القومي والإثني. أقول هذه قضايا الثورات، فما هو المشروع الاقتصادي القادر على تأمين العمل، وما هو شكل النظام السياسي المانع عودة الديكتاتورية وإجبار الإسلام السياسي على الدمقرطة، وكيف ستتم مواجهة التبعية والاحتلالات (العراق، سورية) مثلاً.
لم تنته الأحلام “بالحرية والعدالة”، ويجب أن تنتهي مشاريع المعارضات في الديموقراطية، فهناك حاجات متعدّدة للشعوب، ويجب أن تُطرح على بساط البحث. ومن دون تلك الحاجات “المطالب” المتعدّدة، لن تتمكّن الثورات من الانتصار، وربما على الثورات أن تثور ضد الأنظمة والمعارضات معاً.
المعابر التي فتحها النظام السوري، لن تفيده بشيءٍ يذكر، والنظام الإقليمي، وبدءاً بالأردن ولبنان، لم يتجاوز أزماته، وبالتالي صحيحٌ أن هناك محاولة لتأهيل النظام السوري، ولكن عن أي نظام سوريّ نتكلم، وروسيا وأميركا وتركيا وإيران وإسرائيل يتحاصصون سورية، وهو ما سينعكس في نظامها السياسي مستقبلاً؟

المصدر: العربي الجديد

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

نجاح عبد الله سليمان تكتب: الحرس الثوري الإيراني وصناعة الميليشيات عبر سورية

نجاح عبد الله سليمان في كانون الأول (ديسمبر) 2016، نشرت فضائية العربية ...