الرئيسية / مقالات / وضاح شرارة يكتب: ياسين الحافظ… أدب حياة وأربعون عاماً

وضاح شرارة يكتب: ياسين الحافظ… أدب حياة وأربعون عاماً

الرابط المختصر:
وضاح شرارة
في تشرين الثاني (نوفمبر) 1978، قضى ياسين الحافظ، وهو في عقده الخامس، وبعد معاناة سرطان صاعق دامت أشهراً ولم تطل لتبلغ السنة، على ما أذكر. ومصدر التردد في التوقيت هو تأخر معرفتي به- وترددي إليه يومياً طوال شهرين وتسجيلنا معاً خطوط سيرته المبكرة- إلى عشية وفاته في مثل هذا الشهر قبل أربعين عاماً. فكان الشهران كافيين لتعارف تقريبي، ولينسج بعض خيوط المودة، ولكنهما لم يبلِّغانا (لم يبلغاني أنا، من يسعني الكلام وحدي في ما أتكلم فيه) معرفة وإلفة تتيحان للشاهد الإدلاء بشهادة عدل أو قريبة من العدالة.
والحق أن ما يلح عليَّ من ياسين الحافظ، بين الوقت والوقت، ليس ما تسميه دور النشر “أعماله”، ولا ما يسميه ربما أنصاره ومريدوه وتلامذته “تراثه” أو “أفكاره”. فسياقة تناول هذه، لمن شاء، لا علاقة لها بانقضاء الوقت الذي انقضى على وفاته. والوقوف على “الصاحب”، منزلة بين المعرفة وبين الصداقة، أحسبه ترديداً محرِّفاً ومخلِّصاً لأواصر مختلطة، ومرآة سِيَر تقول متأخرة بعض ما غفل عنه البال المعاصر، وبعض ما أضافه الوقت في الاثناء على الحساب وإليه.

فما دعاني إلى زيارة ياسين الحافظ، في صيف 1978، نشر صحيفة “السفير” بعض حوادث سيرته الذاتية. وكان عائداً من رحلة علاج الى لندن. ولعله كتب ما نشره في أثناء هذه الرحلة أو في رحلة سابقة إلى باريس. وصادف أنني كنت على رصيف مطار بيروت الخارجي، أنتظر قدوم مسافر قريب، على ما كان الإجراء يقضي يومها، و”الحرب” العتيدة تقبل وتدبر على غير موعد. وشاهدت في خليط المسافرين والمستقبلين رجلاً (رأس رجل من خلف) في مقعد متنقل، يلبس سترة واسعة تبرز هزاله وربما مرضه.

وكانت انقضت 13 سنة تامة على قضائي بعض نهار في مصيف فالوغا، المتني الجنوبي، ضيفاً، مع صديق هو الوصلة، على ثلاثة مصطافين هم ياسين الحافظ وهاني الفكيكي (العراقي البعثي يومها) ومحسن الشيخ راضي (وهذا لست واثقاً من هويته). وذريعة الضيافة هي مناقشة 3 بعثيين يميلون الى “اليسار الماركسي” (وكنا من دعاته، على ذمتنا) ويتمتعون بدالة على “بعث” العراق، وينشرون أفكارهم في صفوفه. وتعثرت المناقشة برغبة الثلاثة في التطرق تفصيلاً الى “تجربة” البعث الدامية والمدمرة في العراق، وبحدة حملة الضيفين على الناصرية وسياساتها “القومية”. وبقيت من المشهد، بين صور وأخرى، صورة ياسين الحافظ، متحفظاً وجازماً قاطعاً ومستخفاً بانتقادات الناقدين، وصامتاً في نهاية الأمر. وبدا ضخم الجسم وبالغ اللطف في توجهه الى زوجته.

وفي الأثناء، بين 1965 و1978، قرأت بعض ما كتب الرجل. ونسب إليه صوغ تقرير مؤتمر البعث القومي وتوصياته “اليسارية” (نقد البيروقراطية والإصلاحية “العفلقيتين”) في 1966. وأوجز، والياس مرقص، أفكاره في فكرة متصدرة: “مهمة” الثورة الوطنية والديموقراطية (العربية) الأولى هي إنجاز الوحدة العربية بين مصر والعراق وسوريا وليبيا والملحق الفلسطيني. وبعض هذا الرأي رد على نازع غلب على جماعات عروبية ويسارية كثيرة، وقدَّم “الحركة” الفلسطينية المسلحة والمتجددة بعد 1967 على التيارات السياسية والفكرية المستقرة منذ العقد السادس من القرن العشرين. واقترح النازع أو الرأي هذا عقد لواء القيادة العربية لها.

وأفضى موت عبدالناصر، بعد إخفاق سياسته في 1967 وتعثر نهوض مصر من كبوتها وانتهاج السادات نهجاً “غربياً”، واستقرار الانقسام العراقي –السوري على نظامين متينين، وتعاظم وزن الكتلة الخليجية في الميزان الاستراتيجي والاقتصادي، إلى أخذ ياسين الحافظ، وغيره كثر، بنهج تغيير “الرؤية الى العالم” و”الفهم الاجتماعي المشترك” من طريق إنشاء ثقافة تاريخية عامة يتولى مثقفون عضويون ونهضويون نقديون صوغها ونشرها.

وما كان في كتابات وأفكار انطونيو غرامشي (الإيطالي الماركسي والشيوعي) وجهاً من وجوه بناء هيمنة سياسية واجتماعية وثقافية على الدولة والمجتمع ولكن من غير إكراه- فلا تقتصر الثورة على استيلاء قلة بالقوة ثم بالإرهاب على أجهزة السلطة، على المثال السوفياتي-، وما كان ردماً للهوة بين الانقياد للثورة المبكرة وبين الانخراط الطوعي في مسيرها، اقتصر (عن يد عبدالله العروي) على “وصفة” سحرية وغامضة تتملق نرجسية متعلمين من غير علم ولا عمل في “سوق” ضيقة وكاسدة. فكانت الوصفة صيغة من صيغ التملص من السياسة وحبسها، ووجه التملص الآخر هو الإفراط الإيديولوجي. فتهادت على مسارح مجتمعاتنا وتتهادى منذ الانتباه الى كثرة دوائر العالم، وتشابكها، والى الانخراط غير المخيَّر وغير المتساوي فيها.

والحق أن سيرة الكاتب كانت من حبر آخر. فتناول، بضمير المتكلم الفرد، بعض فصول حياته وتنقله بين البلاد والأفكار والميول. فلم يفتعل أدواراً، ولم يتكتم على شبهات. وأقرَّ للاستعمار الفرنسي، على سبيل المثل، بفضائل لا تبطل محاسبته. وأظهر إعجابه بالأفراد “الديكة” الغربيين. وكان جمعه الوجهين المعللين، وجه النقد والتحفظ ووجه القبول، حين تناوله مسألة على هذا القدر من الصدارة، وفي معرض سيرة فردية، علامةً على عقل وقلب يقظين وحيين. والتعرف إليه من بعض القرب، والتردد إليه، وهو بين أفراد أسرته واصحابه وزواره ومعالجيه، أشهدا على أدب حياة يتوجه على من حوله بمودة تخصصهم واحداً واحداً، وبحياء يقر لهم بحقهم في الضعف و”خفض الجناح”، على ما كان العرب يقولون.

وعلى مشارف الموت القريب، لم ينفك الرجل الهزيل والضامر، المنهك حتى الذواء، والمستلقي على فراشه إعياءً، والمحموم معظم الوقت، (لم ينفك) يطلب الخلوة بزوجته وأولاده، ومناقشتهم واحدة واحدة، وواحدهم، في ما هن وهو صائرون إليه بعد وفاته. ودعاهم إلى ألا يفوِّتوا حق الحياة حزناً أو وفاءً. فإذا قدم الزائر رحّب به، وعدّ زيارته هدية وأعطية، وحادثه محادثة صاحبين لا يريا خاتمة لصحبتهما ولا تمدّ عليهما ظلها. فلا حسرة على ما مضى، ولا غبطة على ما يرجح أن يفوته هو. فـ”معاصرته نفسه”، معاصرة ياسين الحافظ ياسينَ الحافظ ودواخله الخاصة والبعيدة، كانت من جملة أدب حياته، ومادة من مواد هذا الأدب الصعب.

المصدر: المدن

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

نجاح عبد الله سليمان تكتب: الحرس الثوري الإيراني وصناعة الميليشيات عبر سورية

نجاح عبد الله سليمان في كانون الأول (ديسمبر) 2016، نشرت فضائية العربية ...