الرئيسية / مقالات / وليد بركسية يكتب: الأسد في “سلالة خطرة”: المستبد بالوكالة والأصالة

وليد بركسية يكتب: الأسد في “سلالة خطرة”: المستبد بالوكالة والأصالة

الرابط المختصر:
وليد بركسية
ربما يكون الزمن هو البطل الرئيسي في السلسلة الوثائقية “سلالة خطرة” التي عرضتها هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” أخيراً،ورصدت فيها كواليس عائلة الأسد الحاكمة في سوريا وأبرز اللحظات التي شكلت تاريخها الدموية منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى الحاضر الذي يشهد نجاح العائلة في الحفاظ على مكانتها القيادية في البلاد، مع نهاية الحرب في البلاد تدريجياً.

وإذا كانت السلسلة تطرح سؤالاً أساسياً حول السبب الذي دفع رئيس النظام السوري بشار الأسد للتحول من طبيب “لطيف وخجول وأزرق العينين” إلى “دكتاتور وحشي” يتحمل مسؤولية مقتل نصف مليون سوري، إلا أنها لا تجزم بالإجابة في الجزئين الأولين من السلسلة، لكنها حاولت أن تبيّن كيف تسلّم بشار الإرث الثقيل لوالده حافظ الأسد، سياسياً وأمنياً بل وقمعياً، خصوصاً بعد مقتل أخيه باسل في حادث سيارة غامض وهو الذي كان مقدراً له أن يقود العائلة. هكذا، تغير إلى الأبد قَدَر طبيب العيون، وزوجته أسماء الأخرس الشبيهة بـ”أميرات القصص الخيالية”.

وفي الجزء الثالث والأخير من السلسلة، تتبدد الحيرة التي قد يشعر بها المشاهد، ليتم تقديم الأسد كمسؤول بشكل مباشر عن كل ما حدث في البلاد بعد العام 2011، عبر سلسلة من الوثائق التي تظهر إعطاءه أوامر مباشرة بالحوادث العنيفة ضد المدنيين، منذ حادثة أطفال درعا الشهيرة العام 2011. علماً أن السلسلة توازن، بذكاء وحرفية، الشهادات التي قدمتها شخصيات قريبة من النظام أجريت معها مقابلات، إذ حاول هؤلاء إظهار الأسد وزوجته كإصلاحيَين محاطَين بحرس قديم. فقدّم الوثائقي، بموزات تلك الشهادات، عرضاً بصرياً وتوثيقياً، بالأحداث والتعليق واللقطات الأرشيفية النادرة، بحيث أظهر الوجه الحقيقي للدكتاتور وعائلته عموماً.

بالتالي لا يحاول المشروع الذي أشرف عليه المخرج نيك غرين، أنسنة الأسد، بل يسرد وقائع وظروف قادته الى ما هو عليه اليوم، كدكتاتور مسؤول عن مقتل 500 ألف إنسان. والصورة المقابلة له، كأب وزوج وطالب وطبيب وابن وأخ، تبقى عنصراً مهماً للإحاطة به من كافة الجوانب، ذلك أن المستبد لا ينحصر فهمه وتفكيكه في أدائه السياسي والأمني، بل أيضاً كمُركّب “إنساني” من العُقَد والاضطرابات، والعلاقة بالأم والأب والأخوة.

وإذا كان ذلك التضارب جزءاً من صناعة بارعة للمحتوى التلفزيوني القائم على التشويق والصراع، وتقديم عائلة الأسد للجمهور الغربي الذي لا يعرف على الأغلب كل التفاصيل السوداوية الأخرى لحكم عائلة الأسد في حياة السوريين اليومية. إلا أنه في الوقت نفسه، صورة المرآة لتشتت سياسي دولي في التعامل مع الأسد في الفترة المقبلة، لا سيما بعدما أسفرت الحرب عن بقاء الأسد في السلطة، بكلفة باهظة جداً، إنسانياً واقتصادياً وسياسياً. وصورة المرآة هذه، هي ما يبرع الوثائقي في تفنيدها للمشاهد، بحيث يفهم في النهاية كيفية عمل النظام الأسدي، من حافظ إلى بشار، مروراً بنساء العائلة اللواتي يمتلكن تأثيراً كبيراً لا سيما أنيسة والدة بشار، ولا يُنسى الضباط ومسؤولو الأجهوة الأمنية وصراعاتهم الداخلية.

والحال أن تقديم الأسد وزوجته كناجيَيْن (Survivors) هو توصيف دقيق، خصوصاً نجاتهما من مفاعيل الثورة السورية. فنجاة الأسد وبقاؤه رئيساً للبلاد، بغض النظر عن حالتها، يفسر عادة بالتدخلين الروسي والإيراني لصالحه. لكن الأسد نفسه كان المسؤول عن اتخاذ كل تلك القرارات المصيرية التي أبقته بشكل أو بآخر في الواجهة السياسية للبلاد اليوم، بما في ذلك الاستعانة بـ”الحلفاء”، ما أسهم في تغيير صورة العائلة “المتماسكة” نسبياً، بمقتل صهره القوي آصف شوكت ورحيل أخته بشرى الى الخارج، فضلاً عن موت والدته أنيسة مخلوف.

وهنا تقدم السلسلة لمحة عن قرارات مشابهة قام بها الأسد خلال سنوات حكمه الأولى، كاغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، وتمويل الجهاديين لقتال القوات الأميركية في العراق. وكلها عوامل تاريخية ترسم، في الوثائقي، ملامح آل الأسد وسلطانهم الذي تعرض لاهتزازات كثيرة، واضطر للتعامل مع أزمات عديدة بسبب تلك القرارات التي تخفي أيضاً صراعات عائلية ونفسية.

والأسد، بحسب السلسلة، هو الطفل المهمل في العائلة والخجول الذي راكم نوعاً من الرغبة في التفوق على نفسه لنيل إعجاب والديه، وبالتحديد والده الذي لم يكن مؤمناً به بقدر إيمانه بابنه الأكبر باسل أو حتى ابنته بشرى التي كان يفضلها على بشار كي تصبح رئيسة للبلاد، لولا التقاليد الاجتماعية التي تقف حائلاً دون ذلك في سوريا.

والحال، فقد بدا إن التحليل النفسي البارع، المدعم بشهادات خبراء لهم وزنهم، مثل جيرالد بوسس الذي تستعين به وكالة الاستخبارات المركزية “سي آي إيه” في تحليل الشخصيات الدكتاتورية، هو الطريقة اللامعة التي “ردّ” بها الوثائقي على بعض الشهادات التي حاولت تقديم بشار وأسماء الأسد كدخيلين على النظام، يحاولان تغييره من الداخل، وصولاً إلى وصف الأسد بأنه “أقل أفراد عائلة الأسد شراً”!

فالأسد طوال حياته، بحسب التحليل النفسي المُقدَّم، كان يستميت لإثبات نفسه كرجل يستحق خلافة والده، ولو اقتضى ذلك جبروتاً ووحشية غير مسبوقة، ويظهر ذلك في التعامل مع المشاكل الطارئة، كاغتيال الحريري. كما يتعزز بحقيقة أن والدة الأسد، أنيسة، شكلت حتى وفاتها عامل ضغط عليه للحفاظ على العائلة ومسار النظام، ليس بإجباره على ذلك، بل بتوجيهه وتذكيره بقيم “العائلة”.

المصدر: المدن

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسام ميرو يكتب: اتساع الفجوة الطبقية

حسام ميرو ركّز تقرير التنمية البشرية، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ...