الرئيسية / مقالات / عاطف الغمري يكتب: ما الذي ينقص التحالفات لمواجهة الإرهاب؟

عاطف الغمري يكتب: ما الذي ينقص التحالفات لمواجهة الإرهاب؟

الرابط المختصر:

عاطف الغمري
كثيراً ما تحتاج التصريحات الرسمية التي تصدر عن الإدارة الأمريكية، إلى جهد لمحاولة فك تعقيدات التداخل بين معانيها، ففي الجملة الواحدة يمكن أن نقرأ معنى إيجابياً، ثم يلحق به معنى ينسخ ما سبقه، أو يلغي مضمون الجملة كلية.
فالمنطق يعني مصداقية ما يقال لا تنفصل أبداً عن السلوك الذي يتبعه، لوضع ما قيل موضع التنفيذ، وليس تركه مثل بالونات معلّقة في الهواء، حتى يطوح بها هنا وهناك.
من الأمثلة على ذلك، التصريح الذي أعلنه مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي، حين دعا لإقامة تحالف استراتيجي شرق أوسطى لمواجهة وهزيمة تنظيم «داعش»، وغيره من التنظيمات الإرهابية.
ويتمثّل التناقض الذي يعقّد فاعلية الدعوة إلى مثل هذا التحالف، في عدة أسباب، أولها عدم وجود تعريف أمريكي واضح ومحدد ومأخوذ به بشأن الإرهاب، وإذا حدث أن صدر تعريف له، فإنه يأتي مراوغاً، سواء في المعنى المقصود بالإرهاب، أو في وجهة نظرهم بتحديد ما هي الجماعات الإرهابية.
وأيضاً وجود تباين بين التعريف الصادر عن الأمم المتحدة والذي عرّف الإرهاب بأنه ممارسات إجرامية تشمل أعمالاً ضد مدنيين، وترتكب بهدف إزهاق أرواح، أو إصابات جسيمة أو أخذ رهائن، بهدف إثارة الرعب بين المواطنين، وبين التعريف الأمريكي الذي ينص على أن الإرهاب هو الاستخدام المتعمّد للعنف، أو التهديد بالعنف، لتحقيق أهداف ذات طبيعة سياسية، أو أيديولوجية، من خلال التخويف، أو الإكراه، أو إثارة الفزع.
هذا التعريف يظل قاصراً عن الإلمام التام بهذه الجريمة، كما يعانيها العالم كله اليوم، وكذلك ما تصفه به دراسات أكاديمية أمريكية بأنها جريمة ضد الإنسانية بأجمعها، وأن الإرهاب هو أحد أخطر الانتهاكات للقانون الدولي، وللسلام، وقيم الكرامة الإنسانية، وأنه بلغ مدى خطراً من التدمير عبر الحدود، والفتك، وسفك الدماء، والعداء للإنسانية، واستخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة، خصوصاً الإنترنت، في التأثير في مواطنين، وتحويلهم إلى أعداء لبلادهم.
مع ذلك يبقى الموقف الرسمي للولايات المتحدة مراوغاً، فهو يفصل بين منظمات إرهابية، يدرجها في قائمته الرسمية، ومنظمات أخرى لصيقة بها، يستبعدها من تصنيفه للجماعات الإرهابية، مثلما فعل من استبعاده اسم «جماعة الإخوان»، من قائمة المنظمات الإرهابية، في نفس الوقت الذي يضع نفسه في تناقض، عندما أعلن إدراج منظمتي «حسم»، و«لواء الثورة» في مصر، كمنظمتين إرهابيتين، رغم علمه تماماً بأنهما جزء من تنظيم الإخوان، باعتراف هاتين المنظمتين بذلك، بل إنه يصف حماس بأنها منظمة إرهابية، وهو يعلم أنها مكون إخواني طبقاً لما تنص عليه وثائقها الرسمية.
التناقض نفسه لمسناه في سلوك قيادات أمريكية معروفة، مثل السناتور الجمهوري جون ماكين، عند زيارته لمدينة بنغازي في ليبيا، وهناك التقى مع أعضاء تنظيم أنصار الشريعة، الذين انضمّوا بعد ذلك إلى «داعش»، ويومها وصفهم مكين بالأبطال.
وإذا كانت وجهة النظر الأمريكية الرسمية، قد استبعدت الإخوان من قائمة التنظيمات الإرهابية، فإن وثائق أمريكية عديدة نشرت في الولايات المتحدة، تشرح بالتفصيل كيف أن تنظيم القاعدة، الذي تعتبره أمريكا عدواً إرهابياً، إنما هو من نسل الإخوان، وكذلك الحال بالنسبة ل «داعش»، التي كان زعيمها البغدادي عضواً في تنظيم الإخوان بالعراق.
إن تلقي دعوة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، تقتضي أولاً فك الخيوط المعقّدة في الموقف الأمريكي، الذي يتحرّك مثل بندول الساعة، مرة في هذا الاتجاه، ومرة – وفي الوقت نفسه – في الاتجاه المعاكس.
وإذا كانت الإدارة الأمريكية قد اعتبرت أنها في حرب ضد الإرهاب، فإن ذلك يلزمه بداية، وجود المنطق العقلاني الذي يُقنع الآخرين المطلوب منهم الانضمام إلى دعوة التحالف الاستراتيجي، وأيضاً وجود استراتيجية حقيقية وفاعلة للقضاء على الإرهاب، تتأسس على فك كل هذه التناقضات التي تقف في طريق أي خطوة في هذا الاتجاه، لدى دول عديدة تواجه اليوم الأعمال الإرهابية في داخلها وبين مواطنيها. وحتى تتوافر لهذه الاستراتيجية النجاح، عندئذ يكون لدعوة بومبيو، أو ما يماثلها، صدى فعلي، ولا تبقى مجرد إطلاق تصريحات تثير الحيرة، والجدل، والتساؤلات.

المصدر: الخليج

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

المثنى حمزة حجي يكتب: هل من مصلحتنا إسقاط النظام الإيراني؟

المثنى حمزة حجي من الأقوال الشهيرة لهنري كسينجر «العبث الاستراتيجي ستدفع الدولة ...