الرئيسية / ملفات / موسكو وواشنطن.. سباق تسلح جديد

موسكو وواشنطن.. سباق تسلح جديد

الرابط المختصر:

علي العبد الله

وقع تهديد المندوبة الأميركية لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كاي بايلي هاتشيسون، بتوجيه ضربة عسكرية لتدمير نظام صواريخ متوسطة المدى، تقوم موسكو بتطويره سرا ونشره، مخالفا للاتفاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي حول الحد من التسلح النووي (ستارت)، وكذلك إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، نيته الانسحاب من معاهدة الحد من الأسلحة النووية المتوسطة المدى المبرمة عام 1987، على العالم وقع الصاعقة، حيث تواترت التصريحات والمواقف الدولية الرافضة الإعلان الأميركي، والداعية إلى التريث، لأن الانسحاب سيهز استقرارا دوليا وفرته هذه “المعاهدة”، وسيدفع العالم إلى حلبة سباق تسلح جديد يستنزف إمكاناته، ويزيد مصاعبه الاقتصادية، فيهدّد استقراره وأمنه.

سجال وضغوط متبادلة
عكست ردود الأفعال الروسية على نية الولايات المتحدة الانسحاب من “المعاهدة” عمق الخلافات وجدّيتها، فقد رفضت موسكو الاتهام الأميركي، حيث أعلن الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف “إن الرئيس فلاديمير بوتين رفض مراراً وتكراراً، وبشكل قاطع تماماً، الاتهامات الأميركية ضد روسيا بشأن انتهاكها أحكام هذه المعاهدة”. لكنه أعرب عن استعداده لـ “تبديد شكاوى متبادلة حول تنفيذها”، وأعلن مستشار الأمن القومي الروسي، نيكولاي باتروشيف، أن إلغاء “المعاهدة” سيقوّض ضبط التسلّح في العالم، وأن موسكو أكّدت استعدادها للعمل مع واشنطن، من أجل تبديد شكاوى متبادلة حول تنفيذها. وقال النائب الأول لرئيس لجنة مجلس الاتحاد لشؤون الدفاع والأمن، يفغيني سيربرينيكوف، إن الولايات المتحدة تبحث، منذ فترة طويلة، عن “حيل مختلفة” لخرق الاتفاقات المنصوص عليها في معاهدة ستارت. وقال عضو مجلس الشيوخ الروسي: “التزمت روسيا وتلتزم بحزم بتنفيذ التزاماتها بدقة وفقا لاتفاق الالتزامات، على الرغم من وجود انتهاكاتٍ كثيرة، وعدم الدقة من الولايات المتحدة، بما في ذلك رفض أن تؤخذ في الاعتبار ما تسمى بالأسلحة المجدّدة”.
لم يكن الاتهام الأميركي لروسيا بخرق الاتفاق من سنوات من دون أساس، فقد صرحت ناطقة باسم حلف شمال الأطلسي (الناتو) “إن الحلفاء في الحلف أعربوا مراتٍ عن قلقهم حيال عدم احترام روسيا التزاماتها الدولية، وبينها تلك المعاهدة”. وأضافت “منظومة الصواريخ الروسية 9 إم 729 تثير قلقاً بالغاً. بعد سنوات من النفي، أقرّت روسيا أخيراً بوجودها، ولكن من دون أن تُظهر شفافيةً، وتُقدّم توضيحات ضرورية. في غياب ردّ يتّصف بالصدقية بشأن هذا الصاروخ الجديد، يَعتبر الحلفاء أن التقويم الأكثر منطقية أن روسيا تنتهك المعاهدة”. كانت كاي بايلي هاتشيسون قد اتهمت روسيا، في مؤتمر صحافي يوم 2/10/2018، بانتهاك معاهدة حظر الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى الموقعة بين موسكو وواشنطن، قائلة: “على مدار سنوات، نحاول إيصال رسالة إلى روسيا بأننا نعرف أنها تنتهك المعاهدة، وقدّمنا لها الدلائل المتوفرة لدينا على هذه الانتهاكات”. وأضافت: “سندرس إمكان تدمير الصاروخ الذي يمكن أن يضرب أي بلد من بلادنا.. والإجراءات المضادة (من الولايات المتحدة) تكمن في القضاء على الصواريخ التي تطوّرها روسيا انتهاكاً للمعاهدة… نراقبهم (الروس)”. وعبّرت عن أملها بأن يساعد حلفاء واشنطن في “جلب روسيا إلى طاولة الحوار”. وقد أكد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، هذا بقوله يوم 20/10/2018 “روسيا تنتهك منذ سنوات عديدة” معاهدة الأسلحة النووية المتوسطة المدى. وكانت الخارجية الأميركية قد نشرت، يوم 15/10/2018، البيانات الخاصة بتنفيذ معاهدة خفض وتقليص الأسلحة الاستراتيجية الهجومية (ستارت 3) لعام 2010. وذكرت أنه منذ دخول هذه المعاهدة قيد التنفيذ يوم 5/2/2011، قامت الولايات المتحدة وروسيا بـ “إرسال واستقبال أكثر من 14600 إشعار خاص بتحديد موقع وتحرك والقضاء على الأسلحة الهجومية الاستراتيجية”، فضلا عن “إجراء 14 تبادلاً للمعلومات، مع إيلاء الاعتبار الكامل لحالة وتكوين منظومات الأسلحة النووية الاستراتيجية” وتنفيذ “252 عملية تفتيش في الميدان”.
كانت “المعاهدة” التي ألغت فئة كاملة من الصواريخ، يراوح مداها بين 500 و5000 كيلومتر، قد وضعت حدّاً لأزمة اندلعت في الثمانينيات، بسبب نشر الاتحاد السوفييتي صواريخ “إس إس – 20” النووية التي كانت تستهدف عواصم أوروبا الغربية.

الصراع الأميركي الروسي
أعادت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إطلاق مفهوم الدول “المارقة” الذي ابتدعته إدارة جورج بوش الابن، والذي تخلت عنه قبيل رحيلها، وطورته باتجاه مقولة محور الشر، ووضعت قائمة لهذا المحور من ثلاث دول (العراق، إيران، كوريا الشمالية)، لتسويق برنامجها بنشر شبكة صواريخ مضادة للصواريخ، داخليا، لإقناع المواطن والكونغرس الأميركيين بوجود خطر حقيقي على الأمن القومي الأميركي، لتأمين الأموال اللازمة للمشروع، وهي أموال طائلة بين 30 و60 مليار دولار للمرحلة الأولى. وخارجيا لاحتواء المعارضة الروسية والصينية والأوروبية، حيث يثير قرارها مشكلاتٍ دولية حادة، نظرا لما يترتب عليه من تغييرات في البيئة الأمنية، فنشر الصواريخ يفتح الباب أمام إلغاء اتفاقات ومواثيق دولية، حافظت على استقرار العالم فترة طويلة. فالقرار يعني:
1- انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الدفاع المضاد للصواريخ (أي. بي. أم) الموقعة مع الاتحاد السوفييتي عام 1972، والتي صيغت على قاعدة “السماء المفتوحة، أي الانكشاف الكامل للقطبين، الأميركي والسوفييتي، أمام هجوم نووي شامل؛ وسيلة مبتكرة للردع المتبادل والتوازن النووي”، واستكملت باتفاقات ستارت 1 وستارت 2 القاضية بخفض عدد الرؤوس النووية لدى الجانبين على طريق إقامة استقرار استراتيجي.
2- فتح باب سباق تسلح جديد على صعيد العالم. لأن دولاً كثيرة لن تسلم للولايات المتحدة بتحقيق نصر استراتيجي بسهولة، فروسيا رفضت القرار الأميركي، وأعلنت تمسّكها باتفاق عام 1972، وأعلنت أن تقنية الصواريخ الروسية جاهزة، وهي أفضل من التقنية الأميركية في هذا المجال، من جهة. وعرضت، من جهة ثانية، الدخول في مفاوضات ستارت 3، وإجراء خفض واسع للرؤوس النووية لدى الطرفين. كذلك فعلت الصين التي رأت في نشر “الدرع الصاروخي” إضعافا لمكانتها الاستراتيجية، وأعلنت الهند تحفظها. أما دول الاتحاد الأوروبي، فأشارت إلى ضرورة التمسّك باتفاق (أي. بي. أم)، الذي حفظ الأمن الدولي سنوات طويلة، وعدم إثارة سباق تسلح جديد، وحدها المملكة المتحدة أيدت القرار الأميركي، بذريعة تأمين حماية من هجوم نووي محتمل.
3- برنامج “الدرع الصاروخي” جزء من برنامج كبير (ابن حرب النجوم كما وصف في الإعلام الغربي) وتنفيذه مقدمة لتنفيذ البرنامج الأصل (برنامج ريغان – حرب النجوم) الذي حلم به السياسيون الأميركيون المحافظون: السيطرة على الأرض انطلاقا من السيطرة على الفضاء، منذ أطلق الاتحاد السوفييتي مركبته الأولى عام 1957.

قرّر صقور الإدارة الأميركية المحافظة نشر “الدرع الصاروخي”، ونشر شبكة من عشر منصّات إطلاق صواريخ مضادة للصواريخ عام 2004 في آلاسكا، وشنّوا حملة إعلامية واسعة، لتبرير قرارهم عبر أطروحة دول “مارقة” تمتلك صواريخ بالستية بعيدة المدى، أو احتمال هجوم نووي بالخطأ، فقد أعلن وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد أن الولايات المتحدة قد تتعرض ل “بيرل هاربر فضائية”، إثر هجوم مفاجئ ومدمر على الأقمار الصناعية الأميركية التي تعتمد عليها الحياة الأميركية. ويذكر هنا أن فكرة الدرع الصاروخي ظهرت أول مرة عام 1945، قدّمتها قيادة الجيش الأميركي، بعد دراساتٍ أجرتها القوات الجوية الأميركية، واقترحت استخدام موجات الطاقة لاعتراض الصواريخ المعادية. وفي نهاية الأربعينيات، بدأ العمل على تصنيع نظام دفاعي صاروخي لمواجهة الصواريخ السوفييتية.
استفزّت هذه الخطوة، بما انطوت عليه من مخاطر، قوى دولية، بما فيها قوى حليفة لأميركا، نتيجة فزع الجميع من مجرد التفكير بالعيش تحت سيطرة دولة واحدة، فالدرع الصاروخي يخل بالاستقرار الاستراتيجي الراهن لمصلحة هيمنة دولة واحدة، وهذا أشعر روسيا بالخوف على تآكل قوة الردع الروسية، ودفع الصينيين إلى التحرّك لدعم روسيا للحصول على الوزن الاستراتيجي نفسه (بيان شنغهاي الذي أعلن التمسك باتفاقية (أي. بي.أم) لعام 1972 باعتبارها حجر الأساس في الأمن العالمي)، والدعوة إلى قواعد عالمية متعدّدة الأطراف. وتحفظ الاتحاد الأوروبي الذي رأى فيه حربا باردة جديدة من دون داع.
وقد كُشف النقاب عن تقرير أعده عام 2008 خمسة من الضباط والمحللين الاستراتيجيين، رفيعي المستوى في الغرب، رفع إلى وزارة الدفاع الأميركية وقيادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في 15/1/2008، صدر في 150 صفحة، عليها تواقيع قادة هيئات الأركان السابقين في الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وهولندا، نشرت صحيفة الغارديان البريطانية يوم 22/1/2008 مقتطفات منه. شدّد على ضرورة أن يكون الغرب مستعدّا لشن هجوم نووي وقائي مسبق، لوقف أي انتشار وشيك للأسلحة النووية، أو حيازة أي أسلحة دمار شامل أخرى. وجاء في التقرير قول هؤلاء القادة العسكريين: “بما أن عالما خاليا من الأسلحة النووية ليس ببساطة احتمالا واقعيا، فإن خيار الضربة الأولى النووية يبقى أداةً لا غنى عنها. مخاطر المزيد من انتشار الأسلحة النووية باتت وشيكة، وعلى أميركا وأوروبا تطوير استراتيجية كبرى للتعاطي معها”.
شعرت روسيا أنها من بين الأطراف المستهدفة بالدعوة الأطلسية لضربة استباقية، وذلك في نطاق صراع أوسع على الصعيد العالمي، هدفه غربيا منع العودة إلى حالة توازن عالمي، كالتي كانت سائدة قبل انهيار الاتحاد السوفييتي.
على صعيد آخر، لم يستمر حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ويوسّع ساحة عمله فقط، بل واندفع بتوسيع عضويته، بضم دول أوروبا الشرقية، بما فيها بولندا ولاتفيا وإستونيا وليتوانيا، والسعي إلى ضم أوكرانيا، بالإضافة إلى دولٍ أخرى محاذيةٍ لروسيا، مثل أرمينيا، والاقتراب من الحدود الروسية أكثر فأكثر، مستغلاً ضعف روسيا وارتباكها ودخولها في حالة انعدام وزن، في فترة حكم بوريس يلتسين. وجاء نشر أجزاء من الدرع الصاروخي في تشيكيا ورومانيا وتركيا، وأجزاء أخرى متحرّكة على ظهر ناقلاتٍ في دول البلطيق، ليثير مخاوف روسيا، لأنه يمنح أميركا فرصة توجيه الضربة الأولى، ويشل قدرة روسيا على الرد. ففي ذهن الروس مقولة هنري كيسنجر “روسيا ما زالت كبيرة، لذا فهي خطيرة”.

تحفّظت روسيا على عمليات التوسّع، لجهة تعارضها مع التفاهم الذي تم بين الغرب والاتحاد السوفييتي في مفاوضات توحيد ألمانيا، لكن موسكو، مع التصريحات الرسمية الحادّة التي ترفض توسع الحلف، رضخت، ووقعت مع الحلف في 1997، عهد الرئيس يلتسين، “ميثاق باريس”، الذي فتح الباب أمام انضمام بولندا وتشيكيا والمجر إلى صفوف الحلف دفعة أولى. وتم في عام 2002 في عهد الرئيس فلاديمير بوتين التوقيع على “إعلان روما”، جرى بموجبه تأسيس مجلس “روسيا ـ الناتو”، ومواصلة الحلف ضم مزيدٍ من دول شرق أوروبا. تقبّل القادة الروس عمليات التوسّع، حتى أن الرئيس فلاديمير بوتين تحدّث، عندما وصل إلى السلطة، عن احتمال انضمام روسيا نفسها إلى الحلف.
دخلت روسيا في صراعٍ مع الغرب، على خلفية نشر الدرع الصاروخي الأميركي في أوروبا، وتحديث واشنطن سلاحها النووي التكتيكي، عبر تمديد عمره، ورفع درجة دقته وفعاليته، نحو مائتي قذيفة من طراز “بي ـ 61” منشورة في بلجيكا وهولندا وألمانيا وتركيا، وتكييفه بحيث يصبح بالإمكان إطلاقه من قاذفات “إف ـ 35″، فبعد اندفاع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خلال السنوات الثلاث الأولى لحكمه، بحماسة إلى تحقيق تكامل أوثق مع أوروبا والغرب بشكل عام، غيّر توجهاته فجأة، وانصرف نحو بناء دولة قوية، تبنى رؤيةً قائمةً على “قوة الدولة وضمان ولاء الكنيسة الأرثوذكسية والتمسك بالقيم الثقافية العريقة”، واستراتيجية قائمة على محورين: الجوار القريب والبعيد، هدف الأول استعادة ما يعتبره أراضي روسية ألحقت بدول الجوار، واستعادة نفوذ روسيا في دول الاتحاد السوفييتي، بذريعة حماية الروس والناطقين بالروسية. والثاني هدفه الحد من دور أميركا ونفوذها، ولعب دور كبير في القرار الدولي، وأطلق، مستفيدا من تحسّن سعر النفط والغاز، الذي مكّنه من تجاوز حالة العجز التجاري والمالي، والتحول إلى وضع إيجابي، مع احتياطي نقدي كبير سمح برفع الموازنة العسكرية، بتنفيذ برامج اقتصادية وعسكرية لإعادة التوازن إلى وضع روسيا الداخلي وزيادة قدرتها على التحرك الإقليمي والدولي، لفرض حضورها وهيبتها (وفقا لمجلة إيكونوميست، تتمثل التغييرات الأكثر جوهرية في إطلاق برنامج لتحديث الأسلحة في عام 2010، يمتد عشر سنوات، كلفته 720 مليار دولار)، فعمل على تعزيز الوجود العسكري الروسي في الساحة السوفييتية السابقة، من خلال قواعد عسكرية في طاجيكستان (5000 جندي) وقرغيزيا (500 جندي) وبيلاروسيا (1500 جندي)، وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية (7000 جندي) وأرمينيا (3200 جندي).
ومن خلال تقوية منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تضم حاليا ست دول، روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقرغيزيا وطاجيكستان وأرمينيا، والدعوة إلى تشكيل اتحاد جمركي، يضم دول الاتحاد السوفييتي السابق تحت اسم الاتحاد الأوراسي، إطارا موازيا ومنافسا للاتحاد الأوروبي، وزاد في الإنفاق على التسليح، تجاوز نسبة 9% من الناتج المحلي، وبتعزيز الدفاعات الصاروخية ضد أي عدوان محتمل، وتطوير المكونات القادرة على حمل رؤوس نووية، والتي تضم أنظمة الصواريخ، والغواصات النووية المزوّدة بصواريخ باليستية، والقاذفات الاستراتيجية، إضافة إلى تحديث الأسلحة التقليدية، حيث زُوّد الجيش الروسي بفوجي صواريخ من منظومات “يارس” الاستراتيجية، وأعيد تسليح لواءي صواريخ من القوات البرية بمنظوماتٍ صاروخيةٍ من طراز “إسكندر”، وقاعدتين جويتين بأحدث قاذفات قنابل من طراز “سوخوي ط34” وبطائرات تدريب من طراز “ياك 130” ومروحيات “مي 35 أم”، كما تسلم الأسطول الحربي طرادين صاروخيين استراتيجيين جديدين من نوع “بوريي”. وجرت إعادة تسليح ستة ألوية مشاة ولواء دبابات بدبابات حديثة من طراز “تي 91″، كما زوّدت التشكيلات العسكرية بوسائل اتصالاتٍ حديثة وبتكنولوجيا جديدة لوسائل الحرب الإلكترونية. وقد نشرت في منطقة كاليننغراد لواء من صواريخ “إسكندر” التكتيكية، صواريخ قادرة على إصابة أهدافها على مسافة تبعد حوالى 500 كيلومتر، بما فيها المطارات ومستودعات الأسلحة، وكذلك مواقع منصات الدرع الصاروخي الأميركية، بالإضافة إلى تسلّم القوات المسلحة أخيرا صواريخ “إس 400” للدفاع الجوي.
وقد بدئ بإنتاج محطات رادارية من نوع طفارونيج دي أم، القادرة على متابعة كل ما يحدث في المجال الجوي حول روسيا على بعد يصل إلى ستة آلاف كيلومتر. وأعلنت موسكو أنها حصلت على ما يجعلها قادرة على اختراق منظومة الدرع الصاروخي الأميركية في أوروبا، في إشارة واضحة إلى تطويرها أنواعاً حديثة من الصواريخ، فقد أكد الكرملين أن منظومة الصواريخ الحديثة من طراز “إس 500” للدفاع الجوي والفضائي، هي قيد التصنيع، ستدخل في تشكيلة الدفاعات الصاروخية الروسية، مشيراً إلى أن وحدات من هذه المنظومة سيجري نشرها في منطقة القطب الشمالي. كما تم تشكيل قيادة عملياتية في البحر الأبيض المتوسط، حيث ترابط حالياً مجموعة سفن تابعة للأسطول الحربي الروسي بشكل دائم، بالإضافة إلى إنشاء شبكة قواعد عسكرية في منطقة القطب الشمالي، ونشر قوات الدفاع الجوي ـ الفضائي الروسية في أرخبيل “نوفايا زيملا”، وانتشار ألوية التدخل السريع وسفن الأسطول الحربي على طول طريق الشمال البحري. وقد استدعى ذلك اتخاذ قرار برفع موازنة المؤسسة العسكرية إلى مستوياتٍ غير مسبوقة، حيث رفعت حصة الأسلحة والمعدات العسكرية الحديثة عام 2013 إلى 17%، على أن ترتفع هذه النسبة في 2015 إلى 30%. وفي 2020 إلى 70 – 100%. واتخذ بوتين موقفا متصلبا في الخارج، باستئنافه إرسال دوريات القاذفات والأساطيل في المحيطين، الأطلسي والهادئ، والبحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى التهديد أخيرا بنشر 40 صاروخاً نووياً عابراً للقارات على الأراضي الروسية، بما في ذلك على جزيرة القرم، رداً على قرارات مجموعة السبع بالإبقاء على العقوبات الاقتصادية، وتشديد العزلة السياسية، ونشر قوات برية وجوية في جمهوريات البلطيق، حتى تكفّ روسيا عن التدخل في أوكرانيا وتنسحب من جزيرة القرم.

عودة إلى سباق التسلح
أعلنت إدارة ترامب استراتيجيتها النووية الجديدة التي تهدف إلى تطوير رؤوسٍ نوويةٍ، ذات طاقة منخفضة، بناءً على طلب “البنتاغون”، رداً على تقارير تفيد بتطوير روسيا ألفيْ وحدة نووية تكتيكية مهدِّدة الدول الأوروبية، ومتجاهلة التزاماتها بموجب معاهدة ستارت 3. وبينت الوثيقة أن الاستراتيجية والقدرات النووية الراهنة غير كافية لردع روسيا عن القيام بأمرين: شن ضربات نووية محدودة، للضغط على حلف شمال الأطلسي (الناتو) في إطار نزاع تقليدي يتفاقم، واستخدام الأسلحة النووية المنخفضة القوة بشكل أوسع، لتحقيق انتصار على القوات التقليدية للحلف، إذا فشلت التهديدات. في حين تخشى روسيا، نظراً إلى وضع القوات الروسية التقليدية والمشكلات المالية التي تواجهها، من أن تُمنى بهزيمة سريعة في أي حرب تقليدية مع الغرب. وللتعويض عن ذلك، لجأت موسكو إلى استراتيجية التصعيد لخفض التوتر التي تمكّنها من نشر قنابل نووية، متدنية القوة في البدء، كجزء من استخدام السلاح النووي على نطاق محدود. وقد شكّك وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في تصريح له يوم 18/10/2018 في الفرضية القائلة “إن انتشار الأسلحة النووية وتوازن الرعب يضمنان عدم حصول حرب نووية”، ورأى “أن فرضية استحالة الحرب النووية التي صيغت في العهد السوفييتي، بالتعاون مع الولايات المتحدة تحتاج إلى التأكيد في الظروف الراهنة”. وتحدّث عن عمل دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) على “تكديس الأسلحة على حدودنا، والتوجه نحو تحديث البنية التحتية الخاصة بطرق النقل لضمان سرعة وصول المعدّات العسكرية الأميركية الثقيلة”. وربط هذه التطورات بالعقيدة النووية الأميركية الجديدة التي اعتمدتها وزارة الدفاع (البنتاغون) و”يجري بموجبها خفض الحد من استخدام الأسلحة النووية، وتصنيع أسلحة نووية صغيرة جداً، مع نية واضحة لجعل هذا النوع من الأسلحة وسيلةً محتملةً لخوض الحرب. وهذا ما ينسف، من الناحية النظرية، كل الاتفاقات القائمة التي تُعتبر هذه الأسلحة بموجبها أدواتٍ للتخويف، وللردع المتبادل، لا لممارسة العمليات العسكرية”.
وكان الجنرال يوري بالويفسكي، رئيس أركان القوات المسلحة الروسية، قد فاجأ العالم بتأكيده يوم 20/1/2008 أن بلاده قد توجّه ضربات نووية استباقية وقائية، لإجهاض تهديدات محتملة متزايدة موجهة إليها وإلى حلفائها، عاد الرئيس الروسي وتخلى عن هذا التوجه، وكان لافتا قوله، في تعليقه على احتمال توجيه ضربة نووية أولى، “إن قتلى روسيا الذين سيسقطون بالضربة الأولى سيذهبون إلى الجنة والآخرون سيذهبون إلى الجحيم”. وتعهد الكرملين بـ “إعادة التوازن” مع واشنطن، إذا انسحبت من “المعاهدة”، ما يعني الانخراط في سباق تسلح جديد.
سيظل هذا التصعيد النووي خطرا ماثلا، وهاجسا يقضّ مضاجع الدول النووية وغير النووية، خصوصا وأن الأسلحة النووية المنخفضة القوة يمكن أن تغري دولا باستخدامها لتحقيق نصر سريع وشامل في أي مواجهة.

المصدر: العربي الجديد

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

البحث عن نظام عالمي جديد

نعمان قورطولموش من المهم فهم الفترة الزمنية التي نعيشها من النواحي الاقتصادية ...