الرئيسية / مقالات / سامح المحاريق يكتب: كعكة الإعمار السورية والانكفاء المصري

سامح المحاريق يكتب: كعكة الإعمار السورية والانكفاء المصري

الرابط المختصر:

سامح المحاريق

بعد انتهاء منتدى شباب العالم في شرم الشيخ، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة يتمثل في طبيعة الحلقة الضيقة التي تحيط بالرئيس السيسي ومدى رؤيتها وثقافتها، وربما يجب أن يكون السؤال على منحى آخر من حيث المبدأ، هل ثمة وجود لحلقة ضيقة من المستشارين حول الرئيس المصري.
يصرح السيسي بصورة صادمة حول إعادة إعمار سوريا، معلناً أن مصر لن تدفع مالاً في إعادة الإعمار، ويدعو بشكل مبطن لأن تقوم الدول الأخرى باتخاذ الموقف نفسه، ومع أن مصر لم تكن أصلاً من الدول المدعوة للمشاركة في إعمار سوريا، ودورها في الأزمة كان دائماً دون الحجم الذي يليق بمصر وتأثيرها، فإن الوقوف على هذه الذهنية من الضروري أن يتم رصده، لأنه يلقي ظلاله على جميع معطيات المستقبل في مصر، الذي هو بالتأكيد جزء من مستقبل المنطقة.
كنت كتبت سابقاً في دراسة مطولة حول حكم العسكر، وأبديت فيها بعضاً من التفاؤل في ذلك الوقت، ما يلي: «مصر ليست اليوم في امتحان، مصر المصريين في مواجهة مصر العرب، إنما هي بين مفترق طرقات بين الاندثار تحت ركام تصورات تاريخية (فرعونية) لن تبلغها في أفضل الأحوال، ما تشكله اليونان اليوم بالنسبة إلى أوروبا، أو أن تتقدم لقيادة العالم العربي والإسلامي، وأن تستعيد لحظة الحداثة والريادة المسروقة في زمن محمد علي، فمصر لا يمكن أن تكون مثل كوريا أو اليابان، كما يعتقد البعض، لأنها في وسط العالم، سيدة على طرقات كثيرة وخطيرة، ودروب صعبة ووعرة، لا يمكن أن ينسى العالم، أو أن يتناسى، مصر ليمنحها فرصة للنضوج والتطور المتزن». هذه الرؤية كانت بعيد الانتهاء القسري للتجربة الإخوانية، ويبدو أن الحكم ذا الخلفية العسكرية، لم يستطع الإجابة عن أسئلة التحول المهمة التي كانت تنتظر مصر، ولذلك فالانسحاب المجاني من مسألة إعمار سوريا يتناقض مع وجود رؤية تخول مصر أن تؤدي أي دور قيادي في المنطقة، ومن دون الدور القيادي فإن الاقتصاد المصري كله سيدخل في مرحلة الانغلاق والانكفاء، ومعه الدور المصري بأكمله، ومستقبل مصر بوصفه دولة عالية الكثافة السكانية.
يشكل إعمار سوريا موضوعاً للتنافس الدولي، ولا أحد ينظر إلى فكرة تمويله من حيث المبدأ، فالجميع يوجه نظره للفرصة التي تلوح لمشروع كبير للغاية، تقف روسيا على رأس الطاولة، وتقبض على السكين أمام الكعكة المغرية، وبمحاذاتها ايران وتركيا، وفي المقابل يجلس العم سام وبعض الحلفاء الأوروبيين بنظرة ابتزازية على الطرف الآخر، فالوجود في سوريا لا يعني أموالاً وأرصدة فورية ساخنة بقدر ما يحمل في طياته فرصاً استراتيجية بعيدة المدى.
ستبدأ ورشة إعمار سوريا وستؤدي إلى انتعاش في المنطقة، فحتى الأردن بإمكانياته المحدودة تواصل مع السوريين، على أساس حق الجيرة والتعويض عن حصته في الأزمة السورية، من أجل أن يحصل على قطعة ولو صغيرة من إعادة الإعمار، ويعرف الأردن بالطبع أن الأموال ستتوافر من أجل ذلك، بطريقة أو بأخرى ستتوافر الأموال، وتحت هذا الشعار أو ذلك الترتيب ستبدأ الشركات العالمية والإقليمية والمحلية في العمل، وهذه ليست المرة الأولى، فالأمريكيون عندما أعلنوا مشروع مارشال في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية كانوا ينظرون لمكاسبهم الاستراتيجية.
يحمّل الرئيس السيسي السوريين مسألة خراب بلدهم، وهذه مسألة فيها كثير من النظر، ولذلك يعتقد بأن أحداً يجب أن لا يدفع من أجل استعادة سوريا، يستهجن في سؤاله فكرة طلب التدخل والمشاركة في إعادة الإعمار، مع أن الإجابة قدمت نفسها مراراً وتكراراً، فلماذا تدخلت إيران وروسيا وتركيا وأمريكا ودول أخرى في الحرب، لماذا تحملت تكلفة الجيوش والإمداد والمغامرة السياسية؟ هذه أسئلة على قدر كبير من الأهمية، تحمل في طياتها الإجابة عن تساؤلات السيسي.
يتناقض سؤال السيسي مع وقائع تدفق مساعدات كبيرة لمصر بعد ثورة يناير/كانون الثاني، فلماذا لم يتساءل الذين تقدموا لدعم مصر بطريقته نفسها، يعلم السيسي أن الأسباب يمكن أن تجمل في عدم رغبتهم في وجود فوضى في مصر، وضرورة وجود مصر حليفاً على خريطتهم، وما يمكن أن يوفره موقع مصر وثقلها السكاني في التحالفات التي تخصهم، وذلك ينطبق إلى حد بعيد على سوريا.
صناعة الحرب لا تتوقف عند الاشتباك الميداني أو فعل الحرب نفسه، فإعادة الإعمار لعبة اقتصادية مهمة تتابعت على مدى التاريخ، وهي جزء من إحداث الانقلابات الجوهرية في دورات الركود والرواج على المستوى العالمي، ولكن الخلفية الاقتصادية للرئيس السيسي لا تبدو على هذه الدرجة من العمق في فهم الاقتصاد السياسي، وبالطبع ليس دوره أن يكون كذلك، ولم يكن دوره رئيساً للمخابرات الحربية، ومع ذلك، فإن مصر تحفل بالأساتذة المهمين في هذا المجال، الذين يمكنهم أن يهمسوا في أذن الرئيس ببعض من الأفكار الاقتصادية المهمة، ويمكنهم أن يحدثوا فرقاً كبيراً يؤسس لاقتصاد يركز على القيمة، وليس على الإدارة قصيرة المدى، وهو ما يعاني منه أصحاب الفكر الاقتصادي في مواجهة من يتطلعون إلى توفير أموال ساخنة، لضخها في اقتصاد يجنح لتضخم سعري وتحالفات احتكارية، وتترنح عملته في مواجهة ضغوط تراجع الإنتاجية، وهو ما يؤكد أن حصول مصر على حصة في إعادة الإعمار متطلب يجب أن تسعى مصر لتحقيقه، من أجل التشغيل على المستوى الاقتصادي، ومن أجل أسباب أمنية، فالاستقرار في سوريا يجنب مصر وغيرها بالتأكيد مخاطر أمنية كبرى، وإعادة الإعمار في هذا السياق حتى لو اتخذ صبغة انتهازية، هو استثمار في المستقبل لتجنب الحروب المحتملة وراء حالة عدم الاستقرار، وهو ما تقل تكلفته عن خوض حرب فعلية، سواء كانت أمنية أو عسكرية.
السلام في المنطقة هو حرب في مفهومه من حيث توظيف الموارد والاستثمارات، ولا يوجد سلام مجاني، ومصر تعرف تكلفتي الحرب والسلام، لأنها خاضت التجربتين خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وهو شيء يفترض أن يبقى متجذراً وحاضراً في الثقافة السياسية والاستراتيجية لقيادتها في هذه المرحلة من التاريخ، ومن يعرف تكلفة البديلين وعائدهما، يفترض أن يعرف تكلفة إعادة الإعمار وعوائدها، فالأمر ليس مجرد مناكفة بين أسرتين في قرية مجهولة بعيدة عن الحضارة، ولكنه جزء من علاقات دولية يجب أن تشهد أصولاً ثابتة ومستقرة لضمان إدارة التداول العالمي، سواء في شكله الاقتصادي أو السكاني أو الثقافي، فالدولة تتخطى فكرة الشركة كما يفكر كثير من الأجيال الجديدة من السياسيين، وإن يكن من الممكن تقبل فكرة الدولة كشركة فإنه خارج الزمن ومنطقه أن يجري التفكير بالمنطق الاقطاعي في شؤون الدولة وتدبيرها.

المصدر: القدس العربي

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

نجاح عبد الله سليمان تكتب: الحرس الثوري الإيراني وصناعة الميليشيات عبر سورية

نجاح عبد الله سليمان في كانون الأول (ديسمبر) 2016، نشرت فضائية العربية ...