الرئيسية / مقالات / أمينة شفيق تكتب: التنوع والاختلاف فى المجتمعات

أمينة شفيق تكتب: التنوع والاختلاف فى المجتمعات

الرابط المختصر:

أمينة شفيق

في مكتبة الإسكندرية وفي لقاء ليوم واحد تم في جلستين منفصلتين. دار حوار إيطالي مصري في الجلسة الاولى عن التنوع والاختلاف في مكونات المجتمع الواحد، وكيف أنه هبة. ثم في الجلسة الثانية ركز الحوار على حركة الطلبة عام 1968 في أوروبا الغربية، بمناسبة مرور خمسين عاما عليها. وقد استكمل الحوار في القاهرة في البيت المملوكي القديم في حي السيدة زينب، في بيت السناري الذي شهد تفاصيل التخطيط والتنفيذ ثم صياغة كتاب «وصف مصر». والجزء من الحوار الذي شاركت فيه كان الذي تم في مكتبة الإسكندرية والذي ركز على فكرة التنوع ثم على حركة الطلبة عام 1968.

جاء الجانب الإيطالي من مدينة ريميني الايطالية وبالتحديد من منظمة مدنية تنشر مبادئ النقاء الأخلاقي والمحبة والعيش المشترك بين البشر من منطلق ديني. ورميني مدينة ساحلية تقع في منتصف الغرب الإيطالى على الساحل الادريتيكي. وبسبب موقعها هذا فهي قريبة بعض الشيء من المزاج السياسي لسكان البحر الأبيض المتوسط. يحمل وفدها أفكار التعايش الذي يجلب السلام والجمال إلى البشرية. ودار الحوار في مجمله على أن الاختلاف في كل مجتمع هو هبة اذا ما سادت فيه قيم ومبادئ ومعاملات التعايش والعيش المشترك والمساواة والشراكة بين مواطنيه وفي مجمل معاملاته الرسمية والخاصة. فالتعايش والعيش المشترك هو الاعتراف بالاختلاف والتعامل معه كما هو مختلف دون محاولة تغييره أو وضعه في مكانة اجتماعية ادنى او حرمانه من حقوق او واجبات لمجرد انه مختلف عرقيا او دينيا سواء كان ذلك الحرمان بالقانون او بالعرف غير المعلن. وهي افكار وقيم ومعاملات رائعة كنا كمصريين نمارسها ونعرفها وربما يعبر عنها البعض منا بـالزمن الجميل وربما ايضا ما نراه الأن بكل وضوح في تراثنا المعماري والديني. فنحن نملك تراثا مصريا قديما بجانب آخر قبطيا بجانب مملوكي ثم حديث نطلق عليه صفة الخديوية. وربما كانت الاسكندرية ذاتها، وحيث توجد المكتبة، التي عبرت قديما عن التنوع الهائل لتجمع الثقافات المصرية القديمة واليونانية والرومانية في كل العلوم والآداب التي ازدهرت في ذلك الزمان، نموذجا حيا لتلك القيم..

مرت مصر بعصور عديدة شهد بعضها تعايشا انتج ابداعا في الفكر والعلم والعمارة، كما شهدت مصر عصورا تراجع فيها التعايش فشهدت تراجعا عاما مس كل مناحي الحياة. ولكن في الحالتين لم يكن الشعب هو الفاعل او السبب الرئيسي لهذا التراجع وانما لعب حكامه الدور الاساسي في اشعال روح اللا تسامح وتراجع التعايش او نشر قيم التعايش والعيش المشترك. وربما لم يعترف التاريخ المكتوب ببعض النتائج الجميلة التي نتجت من هذا التعايش. وعلى سبيل المثال كم منا يعرف ان مهندسا مصريا كاثوليكيا من اصول ايطالية كان وراء هندسة وبناء اعداد من الجوامع البديعة في الاسكندرية. اسم المهندس ماريو روسي. ثم كم منا نحن المصريين يعلم ان المهندس الذي صمم واشرف على بناء الجامع الازهر كان يهوديا واسمه يعقوب بن كلس جاء مع الحملة الفاطمية بقيادة جوهر الصقلي وكان وزيرا في الديوان الفاطمي. لم يعترف المسلمون به لأنه كان يهوديا وكذلك لم يعترف به اليهود لأنه أسلم في سنوات عمره الاخيرة. لذا انكرته كتب التاريخ. ولكن استمرت اعماله وإبداعاته قائمة تنتظر من ينصفه في يوم ما.

وربما تعجب العديد من المصريين، وخاصة هؤلاء الذين تلقوا تعليمهم من كتب التاريخ التي هي في اشد الحاجة للمراجعة حتى نتعرف على حقيقة تاريخنا القديم والحديث، ربما تعجب هؤلاء عندما صرح السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في احد احاديثه انه من مواليد حي الجمالية حيث تجاور الجامع مع الكنيسة مع المعبد. كان الرئيس محقا في تعبيره عن التعايش الذي مارسه الشعب المصري في قواعده الشعبية دون تمييز بين معتنقي الاديان المختلفة. لم يفسد هذا التعايش إلا السياسات الاستعمارية والساسة غير الواعين بجمال وعظمة التنوع وتأثيره على كل ما هو انساني من ثقافة ومعمار وتراث عام. فالتنوع بشكل عام هو منحة قدمتها الطبيعة والتاريخ لكل مجتمع. وقد أعطت الطبيعة مصر منحة عندما قدمت لها ذلك التنوع الاثني والجغرافي والديني.

في الجلسة الثانية تحدث الوفد الايطالي عن المناسبة التي احتفل بها شباب أوروبا ولم تهتم بها جموع الشباب المصري. كما أنها لم تذكر في بلادنا إلا في مقال او اثنين ألقيا الضوء على هذه المناسبة التي غيرت من رؤية المجتمعات الاوروبية إلى الشباب. وكانت المناسبة هي مرور خمسين عاما على تلك الثورة الشبابية التي قادها الشباب الاوروبي عام 1968. كانت ثورتهم ضد كل شيء بدءا من السياسات الثقافية إلى السياسية إلى المؤسسات التقليدية الموروثة منذ الحرب العالمية الثانية. ثاروا على هذه المؤسسات التقليدية التي حكمت المجتمع الأوروبي، ولكنهم لم يقدموا البديل لها.

في واقع الأمر تذكرت فى اثناء المناقشات أن عام 1968 شهد حلقة من حلقات التحركات الشبابية في مصر والتي أنجزت، حينذاك، ما كانت تصبو إليه والذي تحدد بمطلب واحد محدد في كل الهتافات تسقط الاحكام القضائية، نريد إعادة المحاكمات. فبعد أن اعلنت الاحكام القضائية التي صدرت ضد القيادات العسكرية التي قيل أنها السبب وراء هزيمة 1967 خرجت جموع الشباب المصري، دون تنظيم أو اتفاق، من موقعين أساسيين، من جامعة القاهرة في الجيزة ومن المصانع الحربية في حلوان مطالبين بإلغاء الاحكام التي صدرت والتي اعتبرها الشعب المصري مجرد سد خانة لإخفاء الحقائق كما طالب المتظاهرون بإعادة المحاكمات. وعمت القاهرة مظاهرات حاشدة من شباب العمال والطلبة، مما اجبر عبد الناصر على إصدار قرار بإعادة تشكيل المحكمة لإعادة المحاكمات العسكرية. وكنا نطلق عليها عبارة مظاهرات فبراير 1968.

وإذا كانت أوروبا تحتفل بذكرى مرور خمسين عاما على ثورة شبابها فإننا في مصر لابد ان نعيد دراسة تاريخنا الحديث لنعرف السبب الذي جعل من شبابنا طليعة حقيقية لتحركاتنا السياسية طوال القرن العشرين، ولا يزال.

المصدر: الأهرام

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

علي العبد الله يكتب: القومية والشعبوية وخطر حرب نووية

علي العبد الله أعاد السجال الأميركي الروسي بشأن خرق معاهدة الحدّ من ...