الرئيسية / مقالات / رضوان زيادة يكتب: سياسات العدالة الإنتقالية في سوريا

رضوان زيادة يكتب: سياسات العدالة الإنتقالية في سوريا

الرابط المختصر:

رضوان زيادة

بغض النظر عن الطريقة التي ستؤول لها أمور الحرب في سوريا، سيبقى مفهوم العدالة يشكل مطلباً رئيسا للملايين من الضحايا السوريين، ومطلب العدالة هذا لن يتعلق فقط بتحقيق وتطبيق مبدأ المحاسبة على عدد من مجرمي الحرب في سوريا ممثلين برئيس النظام وعصبة قادة الأجهزة الأمنية التي أعطت الأوامر العليا بالتعذيب والقتل وإلقاء البراميل المتفجرة بحق المدنيين السوريين، بل عن ذلك يشمل الألوف من الشبيحة ورعاتهم الذين مولوا العنف والقتل الجماعي بحق الشباب السوري وأشرفوا على التعذيب والكثير من الممارسات السادية التي يكاد المرء يصعق لوجودها اليوم في القرن الحادي والعشرين في زمننا اليوم.

لكن معنى العدالة الانتقالية اليوم هو أشمل وأعم، إنه يمثل مجموع السياسات التي يجب تطبيقها لإعادة تأسيس شرعية الدولة من جديد على أسس جديدة تكفل الأمن والعدالة والمساواة لكل مواطنيها.

ولذلك يدور جدل كبير بين الباحثين حول تاريخ مفهوم العدالة الانتقالية، بيد أن الربط بين ضمان تحقيق إجراءات تتعلق بالعدالة خلال فترات الانتقال السياسي يعد الأصل التاريخي الذي يعود له المفهوم في تطبيقاته التاريخية المختلفة.

ولقد جرى صياغة هذا المصطلح في وقت مبكر من تسعينيات القرن الماضي عندما أصبح العلماء يهتمون بشكل متزايد في كيفية انتقال دول الموجة الثالثة للديمقراطية في تصالحها مع ماضيها السلطوي.

تعتبر روتي تيتيل أن مفهوم العدالة الانتقالية مر بثلاث مراحل، المرحلة الأولى تركز بشكل كبير على العقاب الجنائي أو القصاص. حيث تستند العدالة على القناعة القائمة على أنه يجب على مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان أن يعاقبوا في المحاكم أو على الأقل الاعتراف علنا بجرائمهم ومن ثم طلب الصفح أو السماح، أما المرحلة الثانية فقد ترافقت مع الموجة الثالثة للديمقراطية حيث تم التخلي عن العدالة الجزائية إلى حد كبير لصالح العدالة التصالحية. فبدلا من التركيز على معاقبة المجرم أصبح التشديد يقوم على المصالحة واستعادة العلاقات بين الضحايا والجناة.

أما المرحلة الثالثة فبدأت في منتصف التسعينات وتميزت من خلال “توسيع تطبيق العدالة الانتقالية” خاصة مع التحولات التي شهدها العالم بعد سقوط الاتحاد السوفيتي حيث بدأ التفكير كيف يمكن التعامل مع إرث الانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية، والإبادة الجماعية، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وتميزت المرحلة الثالثة ببعدها الدولي حيث تأسست المحاكم الدولية والهجينة والأجنبية.

وتبلور بعدئذ المفهوم من خلال عدد من المصطلحات التي تدخل ضمنه من مثل إعادة البناء الاجتماعي، المصالحة الوطنية، تأسيس لجان الحقيقة، التعويض للضحايا، وإصلاح مؤسسات الدولة العامة التي غالبًا ما ترتبط ﺑﻬا الشبهات أثناء النزاعات الأهلية الداخلية المسلحة مثل الشرطة وقوى الأمن والجيش.

فمع حدوث التحول السياسي بعد فترة من العنف أو الحرب الأهلية التي يمر بها مجتمع من المجتمعات. تجد الحكومة الانتقالية والمجتمع المدني والمحلي أنه أمام تركة صعبة من انتهاكات حقوق الإنسان، ولذلك تسعى الدولة إلى التعامل مع جرائم الماضي رغبة منها في تعزيز العدالة والسلام والمصالحة، ويفكر المسؤولون الحكوميون ونشطاء المنظمات غير الحكومية في انتهاج مختلف السبل القضائية وغير القضائية للتصدي لجرائم حقوق الإنسان الواسعة الانتشار.

ويمكن تحقيق ذلك عبر عدد من المناهج أو الإجراءات أولها ما يسمى معرفة الحقيقة أو “الحق في الحقيقة” فللجمهور السوري اليوم أن يعرف الحقيقة كاملة فيما يتعلق بالأشخاص المتورطين عن إعطاء أوامر القتل بحق السوريين بالطرق المختلفة،  وذلك يجب عن طريق هيئة أممية لتقصي الحقائق، فهي لجنة يجب أن تقوم بتحقيقات رسمية في أنماط الانتهاكات التي وقعت في الماضي على الأقل منذ عام 2011  لوضع سجل تاريخي دقيق لما وقع من الأحداث، كما حدث في عدد من البلدان مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، وغواتيمالا، وجنوب إفريقيا، وبيرو، وسيراليون، والمغرب.

وكانت قد تشكلت على المستوى العربي وفي المغرب هيئة الإنصاف والمصالحة وأحدثها في تونس هيئة الحقيقة والكرامة، لتتبع مسار الانتهاكات الحقوقية في الماضي ووضع توصيات تجنبها في المستقبل، إن مسؤولية العدالة الانتقالية في سوريا تقع على عاتق الأمم المتحدة اليوم، يجب أن يضم مسار جنيف اليوم مساراً خاصا بالعدالة الانتقالية وليس فقط الدستور أو الانتخابات، العدالة اليوم هي المدخل الوحيد لإعادة ثقة السوريين اليوم بسوريا بلدهم الوحيد.

ومع فشل النظام السوري في تطبيق الحد الأدنى من إجراءات العدالة الانتقالية يبقى من الأهمية أن تكون الأمم المتحدة هي من يقود هذه الإجراءات ووضعها في صلب العملية التفاوضية ومن مسؤولية المعارضة السورية أن تكون في صلب مطالبها وجوهر تركيزها خاصة مع ولادة الكثير من الحركات الحقوقية والمطلبية التي تهدف إلى إعادة الاعتبار للضحايا والمعتقلين السياسيين الذين يصرخون من أحكام الإعدام التي تنفذ بحقهم كل يوم، يجب أن يدرك الأسد أن سوريا لن تكون مقبرة للضحايا فقط وإنما ستكون مثالاً للعدالة اليوم وفي المستقبل.

المصدر: تلفزيون سوريا

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

سالم حميد يكتب: الانهيار الإيراني قادم بشهادات من الداخل

سالم حميد تحاول إيران عبر خطباء نظام الولي الفقيه المكابرة وإظهار أن ...