الرئيسية / مقالات / فوزي مهنا يكتب: سورية وفلسطين بين زُناة السياسة وتجّار الأساطير

فوزي مهنا يكتب: سورية وفلسطين بين زُناة السياسة وتجّار الأساطير

الرابط المختصر:

فوزي مهنا

ما شأنُ السوريين المكلومين اليوم، بهوية المهدي المنتظر، أكان سنّيًا أم شيعيًا؟ أكان جبريل على يمينه أم على شماله أم غير ذلك! لم يعد هناك أي فرق لديهم. وسواء أجفّت بحيرة طبريّا، لتحكم “إسرائيل” العالم ثم ليتغلّب عليها جيش (المهدي) الجرّار ويقيم العدل في هذه الأرض، أم لم تجفّ! وسواء أخرَجَ (المهدي) من المشرق أم من سرداب سامراء، أم لم يخرج البتة، فالسوريون غير معنيين بحكايته، لا من قريب ولا من بعيد، بعد أن دفعوا كلّ غالٍ ونفيس ثمنًا لقدومه!

وكذلك، لا شأنَ لفلسطين التي أجهزت عليها أساطيرهم، من “شعب الله المختار”، صاحب أرض الميعاد (إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل) إحدى وصايا الرّب التي وعد بها نبيه إبراهيم قبل ما يقارب 4000 عام، ونزول الهيكل من السماء قبل ظهور البقرة الحمراء، لأسطورة المسيح المخلّص الذي سيقود معركة (هرمجدون) الفاصلة التي ستندحر فيها قوات الكُفّار!

ما علاقة كلٍّ من السوريين والفلسطينيين برواياتهم وهرطقاتهم؟ كلهم إقصائيون ساخطون على بعضهم البعض، كلهم يُهددون ويُزبدون ويُرعدون، يشحذون سكاكينهم استعدادًا لساعة المواجهة. يقول أحد الآباء الروحيين للإخوان المسلمين (سيد قطب): “إن الإسلام لا يعرف إلا نوعين من المجتمعات: مجتمع إسلامي، وآخر جاهلي؛ ونحن وهذه الجاهلية على مفترق الطريق”، والجاهل هو بالطبع (كل من ليس مسلمًا) في حين يقول الأب الآخر للجماعة (حسن البنا): “من يشق عصا الجماعة؛ فاضربوه بالسيف كائنًا من كان”.

كلٌّ منهم يغذي أنصاره وأتباعه بالفنتازيا والأساطير (الميثولوجيا) حتى انقضاء الساعة، يستخرج من كتب التراث ركامًا من الأفكار الخشبية، حتى باتت شعوب هذه المنطقة تتحكم فيها المرويات التاريخية الممزوجة بالأساطير، لتأخذ مكانها في العقل الجمعي للناس، ولتتحول حياتهم إلى ما يشبه حياة القطيع، وفقًا لجوستاف لوبون، في كتابه (سيكولوجية القطيع) الذي يشير إلى أن الفرد يخسر عقله حينما يتصرف كفرد في نطاق المجموع، وبقدر ما تنمو حاسة النقد عند الأفراد، والاستقلالية والمعارضة، يكون غيابها عن جو القطيع.

لن نتحدث عن زناة السياسة، سواء أكانوا غربًا أم شرقًا، أم كانوا في داخل الوطن الحزين، سنتحدث فقط عمن يتاجر باسم الأمة وباسم الدين، فثمة من يدعو إلى الجهاد في بلاد الشام “أرض المربط والمحشر”، فينبش من كتب التراث ما يروق له وما يخدم فكرته المتعلقة بالتكفير والقتل والنحر وجزّ الرؤوس، ويستبعد منها ما يحدّ من توحشه وهواه الجنسي وطيشه، لما من شأنه أن يظفر بالجنة الموعودة، حيث الحُور العِين الاثنتين والسبعين، والشفاعة لسبعين شخصًا من أقربائه، حتى لو كانوا من قاطعي الطرق! ولو أننا عدنا للتاريخ الإسلامي، لتبيّن لنا أن الصحابة لم يتحركوا للجهاد من أجل حور العيون!

كلّ منهم يمتلك “الحقيقة”، ولا أحد يستحق العيش بهذا الكون سواه، لذلك فإن المسيحيين المتواجدين في البلاد العربية وغيرهم ممن لم يعلن إسلامه حتى هذه الساعة -وفقًا لمنظري الجماعة السلفية- يجب أن يُعاملوا كأهل الذمة، لا يمكن لهم أن يتولوا المناصب القيادية، ولا يجوز تهنئتهم بأعيادهم أو حضورها، ويعتقدون أن كل من يفعل ذلك من المسلمين “هو نجس”، وفقًا لنائب رئيس الدعوة السلفية “ياسر براهمي” في كتابه (المِنّة شرح اعتقاد السنّة) وإن هدمت كنيسة وسقطت، لا ينبغي لها أن تُجدد، وفقًا لزميله أبو إسحاق الحويني، الذي أفتى مع مشايخه بأنه لا يجوز السلام على غير المسلمين بالمطلق!

وثمة من يجاهر بكراهيته للشيعة وغيرهم في جميع أركان الأرض، ويسعى لإقصائهم وذبحهم ببلاد الشام، لأنها بلاد “الدولة الإسلامية” النقية وبستان الخليفة المباركة، وما هؤلاء الرافضة الشيعة -كما يصفونهم- سوى عون للمسيح الدجّال، لذلك فإن من شروط قيام الساعة -وفق رواياتهم- خروج المهدي في آخر الزمان، ليملك سبع سنين؛ فيملأ الأرض عدلًا، كما مُلئت جورًا وظلمًا، عندها تخرج الأرض نباتها، وتمطر السماء قطرها، ويفيض المال.

ويقول بعضهم: “ما رأينا قضية للمسلمين نضجت وأثمرت وأينعت، وقطف المجتنون ثمارها، إلا يوم سُقيت بالدماء”! وهو ما يؤكد عليه أصحاب المدرسة الإخوانية، على لسان الأب الروحي (سيد قطب) الذي يقول: “إن كلماتنا وعباراتنا تبقى جوفاء هامدةً لا حراك لها حتى نسقيها من دمائنا”، ثم يتفاخر من على منبر الجامع قائلًا: “إذا كان الغرب يملك القنابل الذريّة؛ فنحن المسلمين نملك القنابل البشرية”. نحمد الله أن قطب وأمثاله لا يملكون القنابل النووية.

إلى أين يريد هؤلاء أن يأخذونا؟ هل باتت هذه الأمة أمة تعشق القتل بدلًا من عشقها للحياة؟ هل باتت أمة شهوات بدلًا من أمة نخوات؟ الشهوة في نزف الدماء والشهوة في الجنس! لتتحول الجنة التي وعد بها الله عباده، بخصالها المتعددة، إلى مجرد جيوش من العذارى اللواتي ينتظرن فقط فض أبكارهن!

يورد ابن كثير عن بعض المحدثين قولهم: إن المقصود بعبارة (أصحاب الجنة اليوم في شُغلٍ فاكهون) التي وردت في الكتاب الكريم، إنما هو “فض الأبكار”، أي أن لا شغل لأهل الجنة غير فض الأبكار والتمتع بالملذات الجنسية، لذلك ينصح أحد فقهاء الجنس هؤلاء بقوله: “استعدوا وخذوا معكم المقويّات، لأن عدد الحور العين سيكون كبيرًا”.

ثم هل تحوّلت اليوم أمة (اقرأ) إلى أمة اذبح؟ عشرات الفضائيات ممن تبث أفكارها بالغلو والتطرف، لا يوجد من بينها فضائية واحدة تدعو للقبول بالآخر والتسامح والمغفرة، حتى بات من يدعون للتكفير اليوم وللذبح أكثر ممن يدعون للقراءة والصفح، لقد سطوا على النصوص والمصطلحات، لدرجة تكاد أن تموت في هذه الأمة نخوتها، لتحل محلها شهوتها.

بالمقابل هناك من يعتقد جازمًا، ممن يدعون إلى ثقافة الاستشهاد في سبيل نصرة المستضعفين في العالم، أي (كل من يتبع ولاية الفقيه) بأن أبا الحسنين الإمام علي بن أبي طالب سيكون حاضرًا معهم في القبر لحظة الحساب، وسيشفع لهم وسيساعدهم في الإجابة عن أسئلة ملائكة القبور، وبالتالي سيؤمن لهم دخولهم الجنة! تمامًا كما ينتظر صاحب الشهادة الآخر عددًا من الحور العين، الذين ما إن يُمارس معهن الجنس حتى يَعُدن أبكارًا!

ماذا بعد؟ في حرب تموز/ يوليو 2006 بين “حزب الله” و”إسرائيل”، روي عن بطولات أسطورية متعددة، منها أن الملائكة كانت تحارب مع المقاومين، جنبًا إلى جنب، لذلك لن نندهش عندما نستمع لسيدة جامعية لبنانية، وهي تتحدث بكل إصرار عن خوف الجنود الإسرائيليين من مقاتلين بلا رؤوس، كانوا يهاجمونهم بالسيوف، والأغرب من كل ذلك أن ثمة من يعتقد جازمًا أن زعيم “حزب الله” حسن نصر الله، يتناول الشاي يوميًا مع المهدي المنتظر، وغيره من أولياء الله الصالحين!

ختامًا، متى سيدرك هؤلاء أن العنف الذي يبدأ بالرؤوس لا شك أنه سينتهي باستخدام الفؤوس، متى سيدركون أن التكفير الذي جاهروا به والعنف الذي مارسوه، عبر تاريخهم الطويل، بمواجهة بعضهم البعض ويمارسونه اليوم، إنما هو نتاج معقد لمنظومة من العوامل الدينية التي تقودها تلك الروايات والأساطير؟ وبالتالي فإن لم يضعوا حدًا لتلك الأحقاد والأضغان التي تنذر باستمرار الحروب؛ فإن هذه الحروب ستضع حدًا لهم. يقول مارتن لوثر كنغ: علينا أن نتعلم العيش معًا كإخوة أو الفناء معًا كأغبياء. فهل سيعي هؤلاء ذلك قبل فوات الأوان؟

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

وليد شقير يكتب: التأرجح اللبناني بين «ممانعة» وأخرى

وليد شقير يتأرجح لبنان بين السيء والأسوأ، ويعجز عن الثبات في موقع ...