الرئيسية / مقالات / تهامة الجندي تكتب: العدالة الدولية أمل المعقلين السوريين

تهامة الجندي تكتب: العدالة الدولية أمل المعقلين السوريين

الرابط المختصر:

تهامة الجندي

لم يعد مقبولًا ولا معقولًا حديث الأطراف الدولية والإقليمية عن حل سياسي في سورية، مع بقاء دكتاتورية حاكمة ارتكبت من المجازر والانتهاكات ما يندى له جبين البشرية، لا سيما بعد أن كشفت صحيفة (صاندي تايمز) البريطانية أنه تم جمع أرشيف يحوي مليون وثيقة تدين نظام الأسد بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بحق المدنيين منذ عام 2011، وأن أغلب هذه الوثائق “موقّعة باسمه ومختومة بختم النسر”، وأن الأرشيف يُثبت “سيطرة الأسد المطلقة على كل شيء يحدث في كواليس النظام، وفيه أدلة دامغة ضده”.

إن أي حل يتوخى حماية الشعب السوري والانتصار لمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان التي انتفض من أجلها، عليه أن يبدأ بفتح هذا الأرشيف الخطير المحفوظ في 265 صندوق، تضم خمسًا وخمسين ألف صورة لجثث معتقلين، حوّلتها أجهزة المخابرات إلى المستشفيات العسكرية، وعلى كل جثة علامة من أربعة أرقام على الجبهة مع آثار التعذيب والتشويه، والحرق والرصاص وفي بعض الحالات التذويب، وهي ما تُعرف بـ “صور قيصر” التي سربها أحد الضباط المنشقين عن النظام.

صياغة الدستور والانتخابات النزيهة وإعادة إعمار سورية وعودة المهجرين إليها، أمور لا يمكن بلوغها إلا في بيئة آمنة تضمن الحد الأدنى من العدالة والحريات، وهو ما يتجاهله النظام السوري وحليفيه الروسي والإيراني، بتعطيلهم أي مبادرة لوقف العنف المفرط، ومحاسبة الجناة على الرغم من التعهدات التي قطعوها والتسويات التي أبرموها، بل إن وتيرة الجريمة في تصاعد مستمر، بحسب تقرير لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة، الذي يؤكد أن نظام الأسد كان مسؤولًا عن تهجير أكثر من مليون مدني، واستخدام السلاح الكيمياوي ثلاث مرات في مواقع مختلفة هذا العام، وأن “التهجير في سورية بلغ أعلى مستوياته منذ سبع سنوات، خلال النصف الأول من العام الحالي”، كما ارتبط بـ “ارتكاب جرائم حرب، ونهب، واعتداءات عشوائية، واستخدام قوات النظام الأسلحة المحظورة، في معظم المحافظات التي شهدت عمليات التهجير”.

يُضاف إلى ذلك اعتقال حوالي ستة آلاف شخص، ومقتل 925 معتقلًا تحت التعذيب خلال هذا العام، بحسب (الشبكة السورية لحقوق الإنسان) التي أحصت ما لا يقل عن 300 ألف حالة اعتقال تعسفي وإخفاء قسري منذ بداية الحراك الثوري عام 2011، وجميعهم يعانون سوء شروط الاحتجاز وانعدام الرعاية الصحية، ويتعرضون لخطر الموت من التعذيب أو الجوع.

وإذا كان “وقف إطلاق النار” بين كافة أطراف الصراع، هو الخطوة الأولى على طريق الحل السياسي، وفق قرار جنيف 2254؛ فإن الخطوة الثانية من القرار تتمثل بتكثيف وتيرة الإفراج عن الأشخاص المحتجزين تعسفًا، لا سيما الفئات الضعيفة منهم، والأشخاص الذين شاركوا في أنشطة سياسية سلمية، وذلك بالتزامن مع وضع قائمة بجميع أماكن الاحتجاز، والحصول على معلومات دقيقة بشأن كافة المحتجزين. لكن نظام الأسد لا يكتفي بالتكتم على المعتقلين لديه، بل يقوم بتصفيتهم بأحكام الإعدام والمؤبد، وبحسب تصريح المحامي فهد القاضي، فقد أصدرت المحكمة الميدانية في الحادي من تشرين الأول قرارًا بتنفيذ حكم الإعدام، بحق أحد عشر معتقلًا في سجن حماة المركزي، على خلفية خروجهم بتظاهرات سلمية عام 2011، فيما نال تسعة آخرون أحكامًا بالسجن المؤبد.

المحكومون بالإعدام هم: أحمد محمد جدعان، شعلان عبد الحميد الشيخ المكارة، رائد حمد يونس شنان، عمار مصطفى الطرشان، خالد محمد مشيمش، محمود علوان، عبد الله محمد الحمود،  فهد مروان الصوراني، عبد الكريم مروان الصوراني، فايز حسن درفين، أنور محمد فرزات، وكانت أحكام الإعدام صدرت بحقهم قبل عامين، ولم تُنفذ بسبب قيام المعتقلين باستعصاء داخل السجن، مطلع أيار/ مايو 2016.

ضمان الحريات العامة أساس القضية السورية، والوقائع تثبت أن جميع السوريين معرضون للاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري والإعدامات الميدانية، ومن ضمنهم أولئك الذين خضعوا لتسويات أمنية في المناطق التي استعادها النظام، أو في دول الجوار، حيث كشف وزير شؤون اللاجئين في لبنان معين المرعبي أن لديه معلومات عن مقتل بعض اللاجئين السوريين الذين عادوا إلى بلادهم منذ حزيران/ يونيو الماضي، وأن آخر جريمة ارتُكبت في الأسبوع الماضي بحق عائلة في بلدة (الباروحة) بريف حمص، على يد “مسؤول في قوات النظام دخل إلى منزل العائلة وقتل الأب وابنه وابن أخ الأب”.

وبحسب ما نُشر على صفحة (اتحاد تنسيقيات السوريين حول العالم) في (فيسبوك) بتاريخ التاسع من الشهر الجاري: فقد غادرت خلال الأيام الماضية مجموعة من العائلات السورية لبنان متوجهة إلى سورية تحت ما يُسمى “العودة الطوعية للاجئين”، وعندما وصلت إلى منطقة المصنع على الحدود اللبنانية السورية؛ تم عزل الرجال والشباب الذين تجاوز عددهم العشرين، وتجريدهم من كافة وثائقهم الشخصية، وتحويلهم جميعًا إلى فرع الأمن الجوي في العاصمة دمشق، ومنحهم أرقامًا بدلًا من وثائقهم؛ ما يشير إلى النية بتصفيتهم.

وبهذا الخصوص، رأى المحامي أنور البني، رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، أن ما يحدث “هو نتيجة لسياسة ينتهجها جزء من السلطة اللبنانية في سعيها لإجبار السوريين على العودة تحت ستار المصالحة، بدءًا من التضييق الكبير على اللاجئين السوريين، في حياتهم اليومية والحملة العنصرية ضدهم، وصولًا إلى قيام الامن العام بالاحتيال على اللاجئين، وخاصة في مناطق الفوار وعلمة والبحصاص، وأخذ تواقيعهم على أوراق بذريعة الإحصاء، ومن ثم إعلامهم بأنهم وقعوا على تسوية وعليهم العودة إلى سورية خلال شهر، انتهاءً بقيام مجموعات من (حزب الله) باختطاف ناشطين سوريين، خاصة في مناطق العرمون والدوحة، وتسليمهم مباشرة إلى النظام السوري”.

وسط الحصار الخانق والتهديد المستمر الذي يعيشه السوريون، أينما وجدوا، لاحت مؤخرًا بارقة أمل، مع إعلان “الآلية الدولية المحايدة والمستقلة” عزمها فتح تحقيقات خاصة بجرائم الحرب الواسعة المرتكبة في سورية، وتبادل الوثائق مع المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، وعلى حد تعبير القاضية الفرنسية كاترين مارشي أُويل، المكلفة بإعداد قائمة الاتهامات، سيتم “فتح ملفين أو أكثر من قضايا التحقيق قبل نهاية العام”، على اعتبار أن “المساءلة والمحاسبة يجب أن تكون جزءًا من العملية السياسية”، ونظرًا إلى أن “نظام الأسد لم يستجب لطلباتها بزيارة دمشق، أو إجراء لقاء معها في جنيف أو نيويورك”، بحسب تصريحاتها لصحيفة (الشرق الأوسط).

تزامن الإعلان مع إصدار مذكرة قبض بحق ثلاثة مسؤولين سوريين، هم: رئيس مكتب الأمن الوطني، علي مملوك، ورئيس فرع التحقيق في المخابرات الجوية بمطار المزة العسكري، عبد السلام محمود، ورئيس إدارة الاستخبارات الجوية، جميل الحسن، الذي صدرت بحقه سابقًا مذكرة قبض ألمانية. وجاء القرار إثر قضية رفعهاعبيدة دباغ في فرنسا عام 2016، على خلفية اعتقال المخابرات الجوية شقيقه مازن وابن شقيقه باتريك، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، وكان كل منهما يحمل الجنسية الفرنسية والسورية المزدوجة، وكلاهما ورد اسمه في قوائم الموت التي سربتها أجهزة الأمن إلى دوائر السجل المدني في سورية خلال العام الحالي.

تعقيبًا على القرار؛ قالت كبيرة مديري قسم الأبحاث في منظمة العفو الدولية آنا نيستات: “إن مذكرات القبض الصادرة بحق ثلاثة من كبار المسؤولين، بينهم مستشار رفيع المستوى للرئيس بشار الأسد، تُعتبر خطوة مهمة نحو إحقاق العدالة لأعداد لا تحصى من ضحايا الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها الحكومة السورية”. وأضافت: “ينبغي على المجتمع الدولي أن يحتذي بفرنسا، ويتخذ جميع الخطوات الممكنة لوضع حد لإنهاء إفلات مرتكبي الانتهاكات في سورية من العقاب، ومحاسبة جميع الأطراف”. ولعل كلام آنا نيسات ينطق بلسان حال السوريين المعتقلين منهم والمهجرين، وأولئك المحاصرين بين مطرقة قوات نظام الاسد وحلفائه وبين سندان الجماعات المتطرفة التي تحاول جاهدة أن تخطف ثورتهم، وتستبدل راية الاستقلال التي رفعوها برايات أخرى، لا علاقة لها بمبادئ الدولة الديمقراطية التي حلموا بقيامها.

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

ميشيل كيلو يكتب: إيران تستعد للمعركة

ميشيل كيلو تبدو واشنطن حائرةً بصدد معركتها مع طهران، وما عليها فعله لنقلها ...