الرئيسية / مقالات / يحيى الكبيسي يكتب: الأمم المتحدة ودبلوماسية العلاقات العامة

يحيى الكبيسي يكتب: الأمم المتحدة ودبلوماسية العلاقات العامة

الرابط المختصر:

يحيى الكبيسي

في مقال سابق عن السياق الإشكالي الذي حكم تشكيل بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، وصولا إلى صدور القرار 1770 في العام 2007 الذي حدد مهمة الممثل الخاص للأمين العام ولبعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) بالقيام «حسب ما تسمح به الظروف وبناء على طلب حكومة العراق» بتقديم «المشورة والدعم والمساعدة» للحكومة العراقية ومؤسساتها المختلفة. وقلنا إنه على الرغم من ان هذا القرار قد اعطى للممثل الخاص للأمين العام، وبعثة يونامي، إمكانيات عمل واسعة، إلا ان ربط ذلك بشرط «طلب الحكومة العراقية» عطل إلى حد بعيد هذه الإمكانية، وهو ما حول دور الامم المتحدة إلى مجرد «جهة استشارية داعمة ومساعدة» خاضعة لإرادة الحكومة العراقية وليس لها أي قدرة ذاتية على الفعل او الحركة، خاصة في ظل الحرص غير المفهوم وغير المسوغ على عدم «إغضاب» الحكومات العراقية المتعاقبة!
وبذلك انتهى دورها، وبضغط من الأمريكيين، إلى تبني ما أسميناه «دبلوماسية العلاقات العامة» بديلا عن الدبلوماسية الفعالة القادرة على توصيف للمشكلة العراقية ككل، وما يستتبع ذلك من العمل على انتاج حلول حقيقية تتعامل مع جذور هذه الازمة وليس مظاهرها ونتائجها وحسب. وكان واضحا أن الأمم المتحدة ليست مستعدة سوى للتعاطي مع الوقائع والاختلالات القائمة بوصفها امرا واقعا لا بد من القبول به، مع محاولة تحسين شروطه إن أمكن ذلك من خلال الممارسة السياسية والإبقاء على الهدوء الهش المؤقت، وليس الاستقرار المستدام، وعبر معالجات شكلية يتم التوصل اليها بفضل صفقات سياسية دون الالتزام بأية قواعد او مبادئ حاكمة!
في إحاطة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي (13 تشرين الثاني/ أكتوبر 2018) تجلت هذه الدبلوماسية العامة المتبناة بأوضح صورها! حتى بدت هذه الإحاطة في أحيان كثيرة مجرد دعاية سياسية للحكومة العراقية، وسياساتها، منها إلى تقرير دولي يفترض أن يتسم بالمهنية والموضوعية! فقد كررت الإحاطة الدعاية الحكومية العراقية المتعلقة بتشكيل الحكومة، من بينها الحديث عن «تلقي السيد رئيس الوزراء تخويلاً من العديد من الكتل البرلمانية البارزة باختيار وزرائه بصورة حرة على أساس نتائج تلك الكتل في الانتخابات وليس على أساس المحاصصة الطائفية والسياسية»! أو الحديث عن أن المنافسة والاختلافات حول تشكيل الحكومة كانت «إلى حد بعيد ذات طبيعة سياسية وليست طائفية»! على الرغم من معرفة الجميع بان هذا الادعاء لا علاقة له بالصراع والفيتوات التي حكمت ماراثون تشكيل الحكومة والذي لم ينته الى هذه اللحظة! فضلا عن انه ادعاء لا يصمد اما حقيقة التوزيع الهوياتي (الطائفي والسياسي) الذي حكم تشكيل هذه الحكومة والحكومات العراقية المتتالية بعد 2006، وإلى أن الصراع السياسي في العراق لا يمكن فصله مطلقا عن الصراع الهوياتي! ولأن مصائب عدم المهنية لا تأتي فرادى عادة، يتحفنا الممثل الخاص بتوصيف خطوة التوزير عبر الانترنيت العبثية التي أطلقها السيد عادل عبد المهدي بأنها محاولة «لعصرنة طرق التعيين وتأسيس تجمع من المهنيين الأكفاء للتعيينات المستقبلية» وهي نكتة في واقع الامر بالنظر الى ما آلت اليه الترشيحات.

أما فيما يتعلق بالمنهاج/ البرنامج الحكومي الذي حصلت بموجبه حكومة السيد عادل عبد المهدي على ثقة مجلس النواب، فالممثل الخاص للأمين العام ينطلق بتأويلاته المفرطة بطريقة ينافس بها الإعلام الحكومي! هكذا تكون من أولويات البرنامج من وجهة نظره الدبلوماسية هو «إعادة وتأهيل وإعمار المناطق المحررة وعودة النازحين»! و «حصر السلاح تحت اليد الصارمة للدولة»، و«منع تشكيل الميليشيات خارج إطار الدولة وعلى انسحاب القوات من المدن»! و «حل التحديات العالقة مع إقليم كردستان… بما في ذلك مسائل تخصيصات الموازنة والموارد المالية والنفط والمناطق المتنازع عليها»! من دون ان يشير إلى بعض من هذه «الأولويات»، كما هو الحال فيما يخص العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، قد فشلت الحكومات المتعاقبة في حلها، وان ايرادها في البرنامج الحكومي بهذه الصيغة الانشائية لا قيمة حقيقية له! وإلى أن الإشكاليات أكثر تعقيدا من إمكانية حلها بنصف سطر، خاصة وأنها مشاكل دستورية وليست مجرد خلافات سياسية! ومن دون ان ينتبه إلى أن مشكلة النازحين وعودتهم إلى مدنهم وقراهم تواجه إرادة سياسية لأطراف فاعلة تمنع عودتهم، لأسباب عديدة، تبدأ من الصراع على الأرض والموارد، وتنتهي
بالإرادة السياسية لجماعات فاعلة بإحداث تغيير ديمغرافي! أما مسألة «إعادة تأهيل وإعمار المناطق المحررة فلم ترد أصلا في المنهاج/ البرنامج الحكومي! والعبارة الوحيدة التي وردت فيها كانت عبارة عامة عن ايلاء الحكومة اهتماما خاصا «بالخدمات الأساسية في البصرة، والمناطق المحررة كنينوى»! بل أن مسألة إعادة الإعمار المناطق التي استعيدت من داعش لم تحظ بأية خطط خاصة بذلك، بل انها لم ترد مطلقا!
كما بدا واضحا أن الممثل الخاص يحاول تجنب التعقيدات المتعلقة بالبنية الهوياتية للقوات العسكرية والامنية التي كانت مصدرا للكثير من الإشكاليات خلال المرحلة السابقة، من خلال تبني العبارات الانشائية المتعلقة بذلك! فعبارة حصر السلاح بيد الدولة كانت دائما عبارة عائمة لا معنى لها! في ظل الطبيعة الهوياتية التي يراد فرضها على الدولة في العراق! اما عبارة منع تشكيل ميليشيات خارج إطار الدولة فهي تستخدم هنا للتدليس على النص الدستوري الذي نص على حظر تشكيل ميليشيات خارج إطار «القوات المسلحة» وليس الدولة! وعبارة القوات المسلحة في المدونة القانونية العراقية تعني حصرا القوات التابعة لوزارة الدفاع!
أخيرا يحاول الممثل الخاص فرض مفردات لم ترد في المنهاج/ البرنامج الحكومي للتهرب من مواجهة الأسئلة التي تثيرها المفردات الأصلية! فعبارة «سحب القوات من المدن» هي إعادة صياغة لعبارة «سحب الجيش من المدن» التي وردت في نص المنهاج/ البرنامج الحكومي الذي كان حريصا على عدم «الاصطدام» بهذه المشكلة! ذلك أن المشكلة الرئيسية التي تواجه المناطق التي استعيدت من داعش هي انتشار فصائل الحشد الشعبي المتنوعة فيها، وقد كان مطلب سحب هذه الفصائل من هذه المناطق مطلبا أساسيا للقوى السنية، وسبق لممثل الأمين العام أن سمع بهذا المطلب عشرات المرات!
ربما تكون الإحاطة التي قدمها الممثل الخاص للأمين العام يان كوبيتش آخر مهمة له في العراق، بعد تعيين الأمين العام ممثلا خاصا جديدا، ولكن منهجية دبلوماسية العلاقات لعامة، التي تذكرنا بمنهجية موظفي التسويق الحريصين على إرضاء الزبائن جميعا ستبقى على حالها بكل تأكيد.

المصدر: القدس العربي

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

وليد شقير يكتب: التأرجح اللبناني بين «ممانعة» وأخرى

وليد شقير يتأرجح لبنان بين السيء والأسوأ، ويعجز عن الثبات في موقع ...