الرئيسية / مقالات / علاء كيلاني يكتب: بوجود الرأس؛ ستبقى الحرب على الفساد مجرد خدعة

علاء كيلاني يكتب: بوجود الرأس؛ ستبقى الحرب على الفساد مجرد خدعة

الرابط المختصر:

علاء كيلاني

في سياق توجهٍ مزعوم لـ “مكافحة الفساد”، أعلن وزير المالية في حكومة عماد خميس، في 5 أيلول/ سبتمبر الماضي، إعداد نظام مالي مقترح، يمنح كلَّ من يدل على شخص فاسد “مكافأة مالية”. بعد مدة قصيرة، نشرت صفحات مؤيدة للأسد لقطات مصورة، لوزير الداخلية أثناء جولة له على فرع مرور حلب، وهو يمسك بمعتمد نقابة الأطباء متلبسًا بتقاضي 50 ليرة (أقلّ من ثمن ربطة خبز واحدة) زيادة على القيمة الفعلية للتقرير الطبي؛ ويأمر بإحالته إلى القضاء.

في مفارقة واضحة، يتعرض تحليل أليستير تومسن عن الفساد، وقد شبّهه بـ “أفعى أسطورية ذات رأسين سامين”، لصدمة قوية. فالرجل الذي كان على يقين بأن “مكافحة الفساد يجب أن تبدأ بقطع الرأس أولًا”، لم يكن يتوقع -كما أعتقد- أن هناك من يحلو له ترجمة الفكرة، وتنفيذها بطريقة مخالفة، أشبه بالطريقة التي يتبعها حاليًا نظام الأسد؛ فبدلًا من أن يتوسع الأخير في بيئات الحرية، والمساءلة، والمشاركة، والشفافية. ويمنح المواطن سلطة التأثير في القوانين والسياسات التي يُحْكَم بها. كمقدمة لا بد منها -كما ترى منظمة الشفافية الدولية- إذا ما أريد معالجة تلك الظاهرة بشكل جاد؛ يبتدع أدوات مغايرة بعيدة من جوهر العملية، يدافع بها عن نفسه أكثر مما يروج من خلالها لحربه المفترضة على الفساد.

طوال العقود الخمسة التي مضت، لم تتغير البروباغندا الطافية على سطح السياسة الداخلية في سورية. فكلما كان النظام يشعر بالحرج إزاء تغول الأطراف المنتفعة منه، ويرى حاجة ملحة إلى تهدئة مشاعر شعبه الغاضبة؛ لجأ إلى سردية الإصلاح، بهدف صرف النظر عن جوهر المشكلة ومتطلبات حلّها.

حدث ذلك سابقًا، ففي آب/ أغسطس 1977 فاجأ الأسد الأب أعضاءَ مجلس الشعب، عشية انتشار قصص فاضحة عن إثراء قيادات في السلطة، بشكل فاحش، إذ تلا أمامهم نصَّ مرسوم رئاسي، يقضي بتشكيل لجنة تحقيق “بالكسب غير المشروع” تتمتع باختصاصات النيابة العامة والقضاء وإصدار مذكرات توقيف واعتقال. لكن تلك اللجنة، بعدما مارست مهامها طوال ستة أشهر، وكشفت تورط أقرباء للأسد وأعضاء من قيادات الصف الأول بعمليات فساد كبيرة، أوقفت عن العمل، وتم طيّ ملفاتها بشكل نهائي.

في أواخر تسعينيات القرن الماضي، أعيد اللعب بالخداع من جديد؛ إذ تمّ تنظيم استمارة (من أين لك هذا)، لشخصيات مهمة في الحزب والدولة. غير أن الأموال التي كان يُنتظر أن تعود إلى الخزينة العامة، جرى تهريبها إلى مصارف أجنبية خارج البلاد. وقد قدّرت لجنة مختصة “حكومية” شُكلت في عام 2001 كميتها بنحو 50 مليار دولار.

بين عامي 2000 و2018، فترة وراثة الأسد الابن، نشطت إعلاميًا، ثلاث حكومات على التوالي، واقترحت تشكيل لجانٍ لدراسة أبعاد الفساد، وآليات مكافحته. إحداها رأت النور في عام 2011، لكن عملها اقتصر على إعداد دراسة نظرية، خُتمت بمقترح لإحداث هيئة مستقلة تهتم بالظاهرة من مختلف وجوهها، لم يلتفت إليه أحد.

أقر نظام الأسد، في رسالة نظمتها البعثة السورية الدائمة لدى مكتب الأمم المتحدة عام 2007، بالتزامه التام بنصوص الاتفاقيات الإقليمية والدولية، والقوانين المحلية المتعلقة بالعقوبات العامة، والعقوبات الاقتصادية، وغسيل الأموال، والكسب غير المشروع. في معرض رده على مذكرة أممية، تستفسر عما كان يتخذه من إجراءات في هذا الإطار، لكبح جماح الظاهرة، والحد من تأثيراتها الخطرة على الدولة والمجتمع.

لكن الحقيقة تكشفت، بعد عام واحد فقط، حين أثبت مؤشر مدركات الفساد العالمي لعام 2008 كذبة الحرب المزعومة، وخدعة التزام النظام بالاتفاقات والقوانين الآنفة. إذ احتلت سورية المركز ما قبل الأخير عربيًا، تلاها العراق. بفارق 0.8 نقطة. فيما احتلت المرتبة 147 عالميًا.

إن تراجعها التدريجي على المؤشر، واستقرارها لسنوات عند المراتب العشر الأخيرة، ثم اصطفافها إلى جانب الصومال وجنوب السودان، على قائمة الدول الخمس الأكثر فسادًا على مستوى العالم في عام 2017. إنما يفسر العلاقة العميقة التي تربط نظام الأسد بالفساد. ففي دولة غير مكتملة، تستثمر السلطة “المحمية” فيها الوظائف، لفرض أنظمة وقوانين وسياسات، تخدم مصالحها، ومصالح عصبيات يرى أوليفيه روا أنها تبدأ بالشبكة القريبة (مجموعة المنتفعين)، ثم العصبية التقليدية (العائلة والعشيرة)، ثم المجموعات المتضامنة الحديثة (التي توجدها المنافع، والحماية المتبادلة للمحسوبيات، وزواج الأقارب، والشلل الحاكمة). يتفشى الفساد، وينمو، كناتج عملية جمع سياسية زبائنية، استثمر بموجبها النظام الإقصائي، مُكَونات الدولة لمصلحة مجموعات كانت ترى نفسها هي الأخرى فوق المحاسبة والمساءلة.

لم يكن الريع الخاص الذي تحقق من وراء احتكار العقود، وهيمنة النخبة الفاسدة على المؤسسات الاقتصادية والمالية في سنوات الحرب 2018/2011، بجديد؛ فقد حُقن الاقتصاد السوري من قبلُ، باستثمارات تنقصها الشفافية، ارتبطت معظمها باسم ابن خال الأسد (رامي مخلوف). كما كان يتعين على كل شركة خارجية، تسعى للقيام بأعمال استثمارية أو تجارية داخل البلاد، أن تحصل على موافقته، بالرغم من أنه يسيطر على 60 بالمئة من الاقتصاد (بحسب وثائق بنما وويكيلكس). فيما كان الأسد وزوجته “أسماء الأخرس” يشتريان الشقق الفاخرة في لندن، ويسددان فواتير باهظة لمحلات “أرماني وهارودز”.

تقوض الانهيارات التي يسببها الفساد، نظامَ البعث من الداخل. فهو أشبه بآلية تقويض ذاتية، تدمر الدولة والنظام على حد سواء. وإذا كان من المستبعد أن ينجح الأسد في تسويق إصلاحاته هذه المرة؛ فمن المدهش أنه ما يزال يتصرف بحماقة، ويبتهج بنواتج ما يدعي أنها “انتصارات” على شعبه، ويدفع بصورة حديثة له، قالت صفحة رئاسة الجمهورية في وصفها، إنها صورة رئيس (يعتزم معالجة ملفات، تتعلق بمستقبل البلاد، عبر حركة تصحيحية شاملة، لن يترك فيها أي شخص فاسد من دون حساب. وسيقتلع جذور الفساد قريبًا، كما سيُصدر تباعًا مراسيم تشريعية، تصب في مصلحة الشعب المقاوم وكرامته).

لعل الذين أشادوا بهذه المزاعم على صفحاتهم الاجتماعية، وصفحات جرائدهم، لم يكن يعنيهم كثيرًا ما توصل إليه خوسیه أوجاز، رئیس منظمة الشفافیة الدولیة: (أن القادة الذین یفشلون في إنھاء السریة، ویفشلون في تعزیز حریة التعبیر عن الرأي، ویفشلون في وقف الرشوة والفساد، سیفشلون كذلك في منح الكرامة لشعوبهم).

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

وليد شقير يكتب: التأرجح اللبناني بين «ممانعة» وأخرى

وليد شقير يتأرجح لبنان بين السيء والأسوأ، ويعجز عن الثبات في موقع ...