الرئيسية / مقالات / وليد محمود عبد الناصر يكتب: الابتكار والتنمية: الحالة العربية

وليد محمود عبد الناصر يكتب: الابتكار والتنمية: الحالة العربية

الرابط المختصر:

محمود وليد عبد الناصر

منذ سنوات طويلة والحوار قائم والجدل مستمر حول طبيعة العلاقة بين قدرات ومنتجات الابتكار لدى أي شعب من جهة وبين التنمية من جهة أخرى، والمقصود هنا هو التعريف الشامل للتنمية، أي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتكنولوجية والبشرية لأي مجتمع. ولفترة طويلة كان هناك اختلاف في وجهات النظر والرؤى بين اتجاهات عدة، إلا أنه كان من أهمها اتجاهان رئيسان. الأول يؤمن بأن العلاقة بين تعزيز حماية حقوق الملكية الفكرية وما يترتب على ذلك من التشجيع على الابتكار وتحفيزه من جهة وبين التنمية في جوانبها المتعددة، خصوصاً التنمية الاقتصادية، هي علاقة طردية بعامة. إلا أن أصحاب هذا الطرح خلصوا إلى أنه بما أنه لا توجد مؤشرات كمية محددة تثبت هذا الطابع الإيجابي لتلك العلاقة بصورة يقينية، فإن العلاقة تكاد في مجملها أن تكون غير مباشرة.

وعلى الجانب الآخر، ذهب أتباع الاتجاه الآخر إلى القول بأن العلاقة بين حماية حقوق الملكية الفكرية وتشجيع الابتكار من جهة وبين التنمية من جهة أخرى هي ليست فقط مجرد علاقة طردية وإيجابية، بل إنها أيضاً علاقة مباشرة وعضوية في المقام الأول، وأنه حتىيتم تطوير المؤشرات الكمية اللازمة والملائمة التي يمكن أن تقيس مقومات هذه العلاقة، فإن الكثير من المعايير النوعية والمؤشرات الكمية التي تم بلورتها وتطويرها على مدار السنين والعقود، بخاصة في الآونة الأخيرة، أشارت بما لا يدع مجالاً للشك إلى التأثيرات الإيجابية المباشرة لحماية حقوق الملكية الفكرية وتشجيع الابتكار على التنمية، خصوصاً في بعدها الاقتصادي.

إلا أن الفترة الماضية شهدت بوضوح أن تميل الكفة إلى أصحاب الدفع المتبني لمباشرة العلاقة بين حماية حقوق الملكية الفكرية وتشجيع الابتكار من جهة وبين التنمية بمنظورها الشامل المتكامل من جهة أخرى، وقد حدث هذا التحول في ضوء عدد من الاعتبارات، كان أولها هو الإثبات عبر المؤشرات الكمية أنه بينما الحقيقة والواقع يؤكدان أن البلدان الصناعية والمتقدمة في الإجمالي هي التي شهدت ولا تزال تشهد أكبر إنتاج للابتكارات ومنتجات الملكية الفكرية من براءات اختراع وعلامات تجارية ونماذج ورسوم صناعية وغيرها من مظاهر تلك الملكية الفكرية، فإن نفس تلك المؤشرات تؤكد في ذات الوقت أن معدلات الاستثمار، سواء المحلي أو تدفقات الاستثمار العالمي والإقليمي، تزداد مع ازدياد التزام البلدان النامية، ومن بينها بالطبع البلدان العربية، بتحديث قوانينها المتعلقة بمختلف ميادين الملكية الفكرية بما يلبي الحدود الدنيا المطلوبة دولياً في هذا المقام طبقاً لما ورد في 26 معاهدة دولية تتولىالمنظمة العالمية للملكية الفكرية إدارتها، وكذلك مع تزايد إنفاذ هذه القوانين والحرص على تطبيقها وعدم الاكتفاء بمجرد إصدارها أو بالانضمام إلى المعاهدات الدولية السارية في المجالات المختلفة التي تنضوي تحت العنوان العريض للملكية الفكرية.

ولكن الأمور لا تقف عند حدود العلاقة بين حماية حقوق الملكية الفكرية وتشجيع الابتكار من جهة وتدفقات الاستثمار وتزايد معدلات هذه التدفقات من جهة أخرى، بل إن العلاقة تذهب مدى أبعد له تأثيراته على التنمية الاقتصادية، ولكن أيضاً بل وربما بشكل أهم على التنمية الاجتماعية، وأعني هنا على سبيل التحديد الانعكاسات الإيجابية المؤكدة لزيادة معدلات الاستثمار، مرة أخرى سواء المحلي أو الإقليمي أو العالمي، على معدلات التشغيل من خلال إيجاد المزيد من الوظائف وفرص العمل في الاقتصاد والمجتمع بشكل عام، سواء كانت ناتجة بشكل مباشر أو غير مباشر عن زيادة الاستثمارات. ونتيجة لتلك الانعكاسات تتجه معدلات البطالة في المجتمعات إلى الانخفاض رغم دخول أعداد جديدة إلى سوق العمل، ويزداد عدد، ومن ثم نسبة، المنضوين في إطار النظام الاقتصادي القائم وتتسع دائرة من يستفيد مما يحققه الاقتصاد من عوائد وما ينتجه من قيمة مضافة، وكل هذه التداعيات هي بالتأكيد تضيف إلى الإمكانات والفرص المتاحة للإسهام في تحقيق حالة أفضل، ولو نسبياً، لأوضاع ومعطيات العدالة الاجتماعية الموجودة في مثل هذا المجتمع.

ونتيجة لما تقدم أيضاً، فإنه ثبت أن العلاقة المذكورة فيما تقدم بين حماية الملكية الفكرية وحقوقها وتحفيز الابتكار من جهة والتنمية من جهة أخرى تؤدي إلى تضاعف العلاقة الطردية بينهما من جهة تسارعها من ناحية، وتنشئ طابعاً جدلياً لتلك العلاقة من ناحية أخرى، أي أنه إذا كانت حماية حقوق الملكية الفكرية قد ثبت أنها تساعد على تحقيق معدلات أفضل للتنمية، فإن تحقق هذه التنمية بدوره يدفع المزيد من المؤسسات الاقتصادية، سواء العامة أو الخاصة وسواء كانت وطنية أو مملوكة لأجانب إلى الاستثمار بشكل أكبر بكثير في أنشطة البحث والتطوير التي ترتكز على البحث العلمي القائم على الابتكار والإبداع، وهو الأمر الذي يؤدي بدوره إلى تضاعف في نسب ومعدلات الابتكار ومنتجاته، مما ينعكس مجدداً بالإيجاب على معدلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والثقافية في الدورة التالية للاقتصاد، ليقنع المزيد من المؤسسات الاقتصادية بضخ المزيد من الاستثمارات في الابتكار، وهو ما يصب، عبر بوابة زيادة التدفقات الاستثمارية ومن ثم ارتفاع معدلات التشغيل للمواطنين، إلى تعزيز قدرات الاقتصاد وزيادة معدلات التنمية الاقتصادية بشكل عام. ولا تمثل البلدان العربية بأي حال من الأحوال استثناءً مما تقدم ذكره، فبهذه البلدان جميعاً قوانين لحماية الملكية الفكرية بأنواعها المختلفة، ما بين براءات اختراع وعلامات تجارية ورسوم ونماذج صناعية وحقوق مؤلف وحقوق ذات صلة بها، سواء اجتمعت في تشريع واحد أو توزعت على عدة تشريعات، وفي بعض هذه البلدان تعود بعض هذه التشريعات إلى مئة عام مضت ثم تم تحديثها لاحقاً، وفي بعضها الآخر تعتبر هذه التشريعات حديثة عهد نسبياً، كما أن بكافة هذه البلدان بنية تحتية مؤسساتية معنية بموضوعات حماية حقوق الملكية الفكرية وتشجيع الابتكار ورعاية البحث العلمي ومجمل أنشطة البحث والتطوير التكنولوجي، أيضاً تتباين أعمارها ما بين هذا البلد العربي وذاك، وفي بعضها تجتمع هذهالبنية المؤسساتية في كيان واحد أو موحد تجتمع فيه المسؤولية عن كافة أفرع الملكية الفكرية ومكوناتها، وفي بعضها الآخر تتوزع المسؤولية على عدة أجهزة حكومية، وفي بعض الأحيان في هذه الحالة الأخيرة توجد لجنة أو هيئة تنسيقية وطنية بغرض ضمان التناغم والانسجام فيما بين مختلف الجهات المتعاملة مع مكونات الملكية الفكرية أو صاحبة المصلحة في موضوعاتها أو المتعاملة معها.

وبالتأكيد تعاني البلدان العربية في مجملها مما تعاني منه غالبية البلدان النامية من مشكلات وتواجه ما تواجهه تلك البلدان من تحديات في مختلف مجالات حماية حقوق الملكية الفكرية ودعم الابتكار وتشجيع البحث العلمي، ويندرج في هذا السياق، بل قد يكون في المقدمة منه، موضوعات مثل نشر ثقافة حماية الملكية الفكرية وتشجيع الابتكار ورفع الوعي بذلك على أوسع نطاق ممكن داخل المجتمع، وبما يضمن الوصول لكافة أصحاب المصلحة والاهتمام الحاليين والمحتملين في المستقبل، على المدىالقصير أو المتوسط أو الطويل، ويدخل في هذا الإطار بشكل خاص قطاعات الأطفال والنشء والشباب، ذات الأهمية للحاضر والمستقبل في آن واحد. ويدخل أيضاً تحت نفس العنوان على سبيل المثال لا الحصر الحاجة لتعزيز القدرات والإمكانات بشكل مستمر فيما يتعلق بإنفاذ قوانين ولوائح حماية حقوق الملكية الفكرية بما يدخل الطمأنينة على قلوب المبتكرين والمخترعين، سواء في الداخل أو في الخارج، ويشجعهم وكذلك من هو قادم جديد إلى هذا العالم بأن جهده لن يذهب سدىوابتكاره وإبداعه لن يكون مصيره أن يذهب أدراج الرياح بدون المقابل المعنوي والمادي الذي يستحقه وتكفله له القوانين واللوائح المعمول بها دولياً ومحلياً.

وتلعب المنظمة العالمية للملكية الفكرية دوراً رئيساً ومحورياً في تقديم الدعم والمساعدة لمن تطلب ذلك في البلدان العربية،كما لغيرها من بلدان العالم، بخاصة النامية منها، سواء فيما تقدم من مجالات أو في غيرها كثير مما يتعلق بشكل مباشر أو غير مباشر بموضوعات الملكية الفكرية ودعم الابتكار.

المصدر: الحياة

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

ميشيل كيلو يكتب: إيران تستعد للمعركة

ميشيل كيلو تبدو واشنطن حائرةً بصدد معركتها مع طهران، وما عليها فعله لنقلها ...