الرئيسية / ضيوف وزوار / أحمد برقاوي يكتب: ثورة المعقولية التاريخية

أحمد برقاوي يكتب: ثورة المعقولية التاريخية

الرابط المختصر:

أحمد برقاوي

منذ أربعين عامًا بدأ تكوّن المستنقع السوري، وبدأ معه تكوّن البركان، وكلما اتسع المستنقع؛ ازدادت حمم البركان المكبوتة حجمًا، ولقد ظنت التماسيح الحارسة للمستنقع والأفاعي الحرة في الاتهام أنّ هدوء المستنقع، الذي لم يُعكّر صفوه إلا علامات تخرج من البركان بين الفينة والأخرى، على شكل انفجارات ضعيفة، هو استقرار لا نهائي.

لم يلتفت حرّاس المستنقع إلى العلامات الصادرة عن البركان، ولا إلى الحمم المكبوتة التي راحت أصوات تململها تُسمع من بعد.

حين انفجر البركان في قلب المستنقع؛ ظن أيضًا أن ماءه الآسن قادر على إخماد النار، لقد انبعث من المستنقع كل مخزون العنف اللامعقول، وراح البركان يُدافع عن فوهته بكل عناد وإصرار، وفي كل مرة كان المستنقع يضيق ويفقد جزءًا من مخزونه الآسن، وكانت مستنقعات أخرى تمده بأسباب البقاء والعنف.

لم يخطر على بال النار المتقدة أن كائنات لا تستطيع أن تعيش إﻻ في المستنقع، وتُعادي كائنات شبيهة لها، ستفسد عليها قدسية نارها. من هنا ندرك حجم المهمة الصعبة التي ألقيت على عاتق الثورة. وحجم الحمم التي ينفثها البركان للانتصار على كل ما اختزنته أربعون سنة من العنف المستنقعي.

ويجب أن لا نتجاهل أن في البركان دخانًا قد يمنع الرؤيا، ويخفي لون النار، لكن المنطق يقول إن البركان ما إن يخمد حتى يكون المستنقع قد زال، وكل ما يجري في سورية اليوم هو إحدى طرق التاريخ المتنوعة في استعادة معقوليته المسروقة.

فعندما فشلت محاولات السوري السابقة، في مساعدة التاريخ على استعادة معقوليته عبر المنتدى والبيان وتوقيعات المتمردين ومقالاتهم؛ أدرك التاريخ أن أعداءه بلا عقل تمامًا، فإيداع الذين لا يملكون إﻻ اللغة الربيعية في السجون، وإيداع الذين لا يملكون إلا عقلهم في أقبية التعذيب، لا يعنى سوى أن عليه -أي التاريخ- أن يُجرَّد من القوة، لا ما يكافئ قوة اللامعقول فقط، بل ما يستطيع بها أن ينتصر عليه، حتى بدت أساليبه لتحقيق ما يصبو إليه غيرَ معقولة في الظاهر. حينذاك أخذ التاريخ الجديد يُطلّ برأسه في صيغة صراع بين عنف السلطة المجنونة وعنف الثورة العاقلة التي تواجِه في بعض اللحظات جنون عنف السلطة بعنفٍ مشابهٍ، وإذا كان يحلو للبعض أن يجعل من بعض المظاهر العنفية المجنونة للحركات الأصولية، مناسبةً للنيل من معقولية الثورة، فإنه ينسى أمرًا مهمًا وهو أن الحركات الأصولية المجنونة ليست جزءًا من الثورة، لأنها ضد معقولية التاريخ كذلك، ولهذا يتشابه عنفها مع عنف السلطة.

إن للثورة هدفًا واحدًا وحيدًا ألا وهو كنس الوسخ الذي تراكم على طريق الحياة والذي سد مسيرة الحرية، ولهذا كل ما ليس له علاقة بتحقيق هذا الهدف النبيل -الحرية- هو طعنة في جسد الثورة، وانحياز إلى سرّاق معقولية التاريخ.

ليس باستطاعة المتأخر تاريخيًا، بالمعنى الذي طرحه ياسين الحافظ مرة، أن ينجز تقدمًا، أو أن ينتصر التاريخ الواقعي؛ ذلك أن المتأخر التاريخي يطرح البديل المستحيل، وعدّته عنف وأيديولوجيا تستمد قوتها من مخزون الوعي الميت.

ولقد أمدّ المتأخر التاريخي السلطةَ، التي هزمت المعقولية إلى حين، بالقوة التي تساعده في البقاء مرتين: مرة حين وقفت معه مدافعة عنه قاتلة ومقتولة، في صورة ميليشيات شيعية أصولية تجمعت من إيران ولبنان والعراق وأفغانستان، ومرة حين واجهته بميليشيات سنية تطرح الخلافة بديلًا عنه، فأمدته بصورة المواجه للحركات الأصولية أمام دول ومجتمعات، حيث بدا الصراع لبعضهم بأنه صراع بين لابس ربطة العنق ولابس العمامة، ولم يروا أن البنى المتشابهة تتقاتل، ولا فرق بين عمامة مستترة بربطة عنق وعمامة ظاهرة.

ولعمري، إن استعادة الصورة التنويرية التحررية لثورة الساحات وحدها القادرة على مد معقولية التاريخ بأسباب الانتصار.

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

جمال الشوفي يكتب: صادق جلال العظم وضريبة النقد المكلفة

ججمال الشوفي لو سألتَ “مثقفًا” عن سبب تمسكه بالنظم السياسية القائمة كأدونيس ...