الرئيسية / مقالات / بكر صدقي يكتب: ملامح الدولة الأسدية الثانية

بكر صدقي يكتب: ملامح الدولة الأسدية الثانية

الرابط المختصر:

بكر صدقي

تتواتر أخبار عن إلقاء القبض على أشخاص من جماعة “المصالحات”، وبعضهم يقتل ثم ترمى جثثهم على الملأ. كان هؤلاء من مسلحي المجموعات المسلحة التي تقاتل النظام، إلى أن “أثمرت” الخطة الروسية حول ما سمي بمناطق خفض التصعيد، فنزح من نزح منهم مع المدنيين باتجاه الشمال، واستسلم من بقي منهم وفق شروط المصالحات التي فرضت عليهم الانضمام إلى الميليشيات الأسدية. فقد آن أوان الثأر بعد المصالحة.

ومن جهة أخرى تم قتل عائلات كاملة عادت من لبنان، بعد سنوات أمضتها في أسوأ الشروط بالقياس إلى لاجئين إلى دول أخرى، وفق ما أعلن وزير المهجرين اللبناني معين مرعبي. وفضلاً عن الشروط المذكورة، ومنها تحريض عنصري ضدهم من مرجعيات حكومية وغير حكومية، فالأخبار تتواتر عن إرغامهم على العودة من قبل الأمن العام أو جهات سياسية حليفة للنظام الكيماوي في دمشق. والقتلى مدنيون لم يحملوا السلاح يوماً. لكنه أوان الثأر.

وقام رئيس المخابرات الجوية جميل الحسن، أحد أبرز المجرمين التنفيذيين لدى النظام الكيماوي، بجولة على بعض

 “إعادة الإعمار” وفقاً للمفهوم الأسدي الذي هو إعادة بناء جدار الخوف، أو صنم العبادة القديم – الجديد، وليس إعادة إعمار ما خربته آلة الحرب الأسدية.

بلدات محافظة درعا، مهد الثورة السورية، فالتقى بوجهاء المنطقة، متوعداً إياهم بالثأر لعناصره الذين تمت إبادتهم، في إحدى العمليات العسكرية، في زمن سابق. أما عن سؤال الوجهاء عن أبنائهم المعتقلين فقد أجاب مكرراً القول الشهير لعاطف نجيب، في ربيع 2011، رداً على مطالبة الأهالي بأولادهم: “انسوهم!”

أضف إلى الوقائع السابقة إعادة نصب تمثال مؤسس النظام حافظ في مدينة دير الزور، وسط الخرائب المحيطة به، في مشهد معبر عن “إعادة الإعمار” وفقاً للمفهوم الأسدي الذي هو إعادة بناء جدار الخوف، أو صنم العبادة القديم – الجديد، وليس إعادة إعمار ما خربته آلة الحرب الأسدية.

هذه هي أبرز ملامح الدولة الأسدية في “إصدارها الثاني” بالاستعارة من حقل التكنولوجيا الحديثة. وذلك إذا قسمنا تاريخ هذا النظام إلى حقبتين، تمتد الأولى من التأسيس (1970) إلى انطلاق الثورة السورية (2011)، في حين أن الثانية ما زالت قيد التأسيس. أما ما بينهما فهي فترة الثورة والحرب.

هي قيد التأسيس، أولاً، لأن الحرب / الحروب، في سوريا وعليها، لم تنته بعد. شائع لدى المراقبين من الخارج أن الحرب ماضية نحو نهايتها، ونتيجتها “انتصار” النظام على “معارضيه” أو على الثورة أو على الإرهاب، وفقاً لمنظور كل مراقب. ويستعجل المحتل الروسي تسجيل هذا الانتصار الذي يرى أنه هو الذي حققه، مطالباً المجتمع الدولي بالاعتراف بذلك، وبمكافأته عليه متمثلاً بتمويل إعادة إعمار ما دمره سلاح طيرانه. تنافسه على أبوة “النصر” إيران المتغلغلة في مفاصل السلطة المتحكمة بقراراتها في الشؤون الأكثر عمقاً مما يهتم به الروس: وأعني بها ما يتعلق بالتغييرات الديموغرافية والقواعد العسكرية البرية وملكية الأراضي والقطاعات الاقتصادية، أي كل ما يتعلق بالأمور ذات الأثر المديد.

وهي قيد التأسيس، ثانياً، لأن ما بعد “انتصار” النظام المفترض لن يكون كما قبل آذار 2011، في عهدي الأب والابن معاً. بل سنكون أمام حالة أشبه بالزومبي (الميت الذي يتغذى على لحوم الأحياء، ولا يصل حالة الإشباع أبداً). في لقائه “المشهدي” مع أهالي مخطوفي السويداء “المحررين”، لم يسع الدكتاتور الصغير أن يمرر فرحة هؤلاء الأهالي من غير أن يطالبهم بالثمن. مع أنه قد قبض الثمن سلفاً بتلك العراضة التهريجية المخصصة لتمجيد القاتل، لكنه لقنهم درساً من كيسهم أيضاً: (تساءل البعض أين هو الجيش في المنطقة الشرقية التي هاجم منها داعش؟ والجواب: الجيش في المنطقة الغربية!) (تريدون للجيش أن يحميكم؟ إذن أرسلوا أولادكم إلى الخدمة العسكرية في جيشي! حتى يقاتلوا الإرهابيين، ليس في منطقة الجبل فقط، في أي منطقة من سوريا!). بهذه الوقاحة

رد الأسد الزومبي على تبجيله التهريجي من قبل أولئك “الجبليين”. هذا هو دستور الدولة الأسدية في طبعتها الثانية. أعطوني أولادكم ليموتوا دفاعاً عن حكمي، كي لا أفلت عليكم مسلحي داعش!

وهي قيد التأسيس، ثالثاً، لأننا سنكون أمام مشهد بلد محتل ونظام عميل، قد يكتفي، فوق ذلك، من سوريا ببعض أقسامها التي يسيطر عليها الروس والإيرانيون فقط. أما الأقسام الأخرى التي تسيطر عليها تركيا والولايات المتحدة، فقد تبقى كذلك لزمن غير معروف، وأمرها مرتبط بتوازنات دولية لا تأثير للنظام عليها.

وهي قيد التأسيس، رابعاً، لأن السلطة المركزية للنظام الكيماوي، من المرجح ألا تستعيد السيطرة على القيادات الميدانية من أمراء الحرب في مناطقه، ويرغم على تقاسم السلطة المحلية معهم، وفقاً لكل منطقة. وقد تبقى ميليشيات أجنبية إضافة إلى منظمات الشبيحة المحليين. وكل ذلك يتوقف على إرادات دول أخرى، وبمعزل عن إرادة النظام.

وهي قيد التأسيس، خامساً، لأن مصير النظام، وبخاصة مصير رأسه، في أيدي الآخرين، وما يعنيه ذلك من احتمال ألا يكتمل التأسيس من أساسه!

المصدر: تلفزيون سوريا

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

ميشيل كيلو يكتب: إيران تستعد للمعركة

ميشيل كيلو تبدو واشنطن حائرةً بصدد معركتها مع طهران، وما عليها فعله لنقلها ...