الرئيسية / مقالات / داود الفرحان يكتب: الهجرة العربية… ظاهرة عامة

داود الفرحان يكتب: الهجرة العربية… ظاهرة عامة

الرابط المختصر:

داود الفرحان

لم يبدأ التاريخ الإسلامي بمولد الرسول ولا بوفاته، لكنه بدأ بيوم هجرة نبي الإسلام من مكة إلى يثرب، باعتباره أهم حدث في تاريخ الدولة الإسلامية وبداية إقامة الدولة. وقد تم اعتماد هذا التقويم السنوي حين جمع الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) الصحابة في أول السنة السابعة عشرة للهجرة، وكان ذلك في سنة 622 حسب التقويم الميلادي.
في ذلك اليوم المجيد، الأول من شهر محرم، عرف العرب الهجرة بمعناها السامي، والمهاجر بمعناه الإنساني: «من هَجَرَ ما نهى الله عنه» كما رواه البخاري. أريد أن أصل إلى أن الفتوحات لا علاقة لها بالهجرة، وإنما هي لنشر الإسلام في دول العالم شرقاً وغرباً. فالقادة الفاتحون وجنودهم لم يذهبوا إلى الهند والسند وآسيا الصغرى وسواحل أفريقيا على المحيط الأطلسي للاستقرار هناك أو بحثاً عن حياة أفضل، وإنما ذهبوا لإيصال الرسالة المحمدية وتثبيت الإسلام في أرجاء الأرض.
وحتى لا يُساء الفهم، فأنا أدخل في الموضوع للحديث عن موجات الهجرة المتدفقة والنزوح الجماعي الذي لا يتوقف والنفي الاختياري الفردي والقسري الذي بلغ أوجه في الوطن العربي، ودول إسلامية في القرن العشرين والعقد السابق والحالي من القرن الحادي والعشرين. لقد تحولت الهجرة من حالات وأحلام فردية إلى ظاهرة عامة مستعصية.
تُقَدّر إحصائية سويسرية صدرت في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي أعداد المهاجرين حول العالم بنحو 224 مليون مهاجر. وتُعتبر سويسرا من الدول الأوروبية التي توجد فيها أعلى نسب للمقيمين الأجانب. أما على الصعيد الدولي، وبالأرقام المجردة من التوصيفات فإن الولايات المتحدة تتصدر مضمار الهجرة إليها، إذ يقيم فيها نحو 20 في المائة من المهاجرين المسجلين حول العالم، تليها ألمانيا وروسيا.
وتُعَرّف المؤسسات الدولية «المهاجر» بأنه الشخص الذي ولد في بلد آخر غير البلد الذي يعيش فيه، مهما كانت أسباب هجرته باستثناء الدبلوماسيين. أما تعريف «الهجرة» فهو مصطلح يشير إلى انتقال الناس أفرادًا أو جماعات من موطنهم الأصلي إلى موطن آخر. ولا يشمل ذلك النازحين أفرادًا أو جماعات داخل بلدانهم بسبب ظروف سياسية أو اقتصادية أو بيئية.
بعد أكثر من ألف سنة على الفتوحات الإسلامية ورحلات ابن بطوطة ومغامرات الصبي سندباد الخرافية في رواية «ألف ليلة وليلة»، تتجدد في هذه السنوات المضطربة من مسيرة الأمة العربية بين المحيط والخليج، الرغبة في إعادة اكتشاف عجلة الفتوحات الإسلامية العظيمة. وبدلاً من ركوب الخيل والجمال والبغال والسفن الشراعية، كما كان الحال في ذلك الزمان، يركب الفاتحون الجدد الطائرات النفاثة والبواخر العملاقة (في أسوأ الأحوال قوارب متهالكة تغرق بعد أول عاصفة بحرية!) وفي أيديهم بدلاً من الخرائط البدائية القديمة وآلة الإسطرلاب، الهواتف المحمولة العادية والذكية. وإذا كانوا يستكشفون مناطق خارج التغطيات الخليوية يمكنهم اللجوء إلى هاتف «فضائي» ذي ربطٍ مباشر بالأقمار الاصطناعية. وهو هاتف أثبت جدارته في ثورات الربيع العربي المشؤومة والاحتلال الأميركي للعراق أكثر مما كان يخطر في بال مخترعه!
وحين بدأ قصف العراق في مارس (آذار) وأبريل (نيسان) 2003 كنتُ مديرًا بالنيابة لمكتب وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية في بغداد، ولم يكن معي، ومع أكثر المراسلين (باستثناء القنوات الفضائية العربية والأجنبية الكبرى) ما نستعين به في التغطيات الصحافية للغزو غير ذلك الهاتف. لكن عيب هذا الجهاز المفيد في الصحاري والبحار والغابات أنه كان لا يعمل داخل الجدران، وعلى المستخدم أن يحمله إلى السطح أو إلى الحديقة أو الشارع لتحقيق الاتصال المطلوب. وكان أمرًا محفوفًا بالمخاطر أن أحمل الهاتف إلى سطح منزلي في بغداد وسط القصف الجوي وصواريخ الدفاع الجوي ولعلعة الرشاشات والبنادق والمسدسات.
وأعتذر لأنني خرجت عن الموضوع قليلاً. فقد بدأت بالحديث عن الفاتحين العرب الجدد، وإليه أعود. لقد اكتشفت أن هناك عدة جزر نائية في المحيطين الهادي والأطلسي تمنح التأشيرة والإقامة معًا وبسهولة لأي عربي يلجأ إليها هربًا من «الحرية والعدالة والديمقراطية والنزاهة ودولة القانون» في دول ما يسمىبالربيع العربي! وفضلاً عن أن هذه الجزر تنقذك من مشكلة الحصول على تأشيرة أو إقامة أو لجوء، فإنها لا تمنعك من تنظيم مظاهرات ضد حكومة بلادك في اليوم التالي لوصولك الميمون إلى سواحلها. فأولاً سكانها لا يفهمون كلمة واحدة من اللغة العربية، وثانيًا لا يميزون بين نوري المالكي وعبد الملك الحوثي، وثالثًا ليس بينهم أحد من أنصار «ولاية الفقيه» وعمامة خامنئي ولحية قاسم سليماني، ورابعًا لم يسمعوا أبداً باختراع اسمه «جامعة الدول العربية»…!
ولا داعي لمزيد من التشويق، فقد حان وقت الأذان في مالطا. هذه الجزر هي ماريانا الشمالية وغوام وسولومون وفانواتو وكيريباتي وبولينيزيا الفرنسية وساموا وتونغا في المحيط الهادي، وكيب فيرد وباربيدوس وجوادا لوبي وبرمودا (قرب مثلث برمودا!) وجزر ساندويتش الجنوبية وليسوتو في المحيط الأطلسي. وقد تكون سمعتَ بأسماء بعض هذه الجزر؛ فليسوتو مثلاً دولة أفريقية، وغوام فيها قاعدة أميركية شهيرة، أما جزر سولومون القريبة من أستراليا (وهي في الواقع تتكون من 21 جزيرة مختلفة المساحات) فهي نفسها جزيرة سليمان التي كان يشاع أن فيها كنوز الملك سليمان، وتبين أن الأمر ليس أكثر من حلقة تاريخية في برنامج «الكاميرا الخفية» حيث توافد المغامرون الأوروبيون والآسيويون على الجزيرة للبحث عن الكنز المفقود فلم يجدوا غير جوز الهند! وميزة جزر سليمان التي تعتبر إليزابيث الثانية ملكتها المتوجة، أن فيها 350 مسلمًا فقط من بين سكانها الذين يقدر عددهم بنصف مليون نسمة. ويمكنك أن تكون المسلم رقم 351 وتدخل التاريخ. أما جزيرة ساندويتش المكونة من 11 جزيرة معظمها بركانية فهي قريبة من القارة القطبية الجنوبية المفقودة «أنتاركتيكا»، ومن مميزاتها أن أحدًا من أقاربك أو أصدقائك لن يزورها وينام مجانًا في كوخك، لأنها بعيدة أولاً وشبه متجمدة ثانيًا! وأحلى ما فيها اسمها الشهي.
هل نقول وداعًا للطوابير على أبواب السفارات الأجنبية الموصدة ومكاتب الأمم المتحدة العاجزة، بحثاً عن «فيزا» أو إقامة أو هجرة؟ اطلبوا الهجرة ولو في «سولومون»!

المصدر: الشرق الأوسط

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

وليد شقير يكتب: التأرجح اللبناني بين «ممانعة» وأخرى

وليد شقير يتأرجح لبنان بين السيء والأسوأ، ويعجز عن الثبات في موقع ...