الرئيسية / مقالات / محمود الحمزة يكتب: لم يبقَ في الساحة إلا السوريون

محمود الحمزة يكتب: لم يبقَ في الساحة إلا السوريون

الرابط المختصر:

محمود الحمزة

خمسون عامًا، والسوريون فاقدون للإرادة والحرية والتفكير المستقل، حتى على المستوى الشخصي والعائلي، فحتى الحيطان كان لها آذان. ثم جاءت الثورة ففجرت طاقات السوريين ومنحتهم الحرية، مقابل تضحياتهم وبطولاتهم الشعبية التي سيسطرها التاريخ بحروف من ذهب.

انطلقت الثورة عفوية صادقة بقرار من السوريين أنفسهم، بلا حزب ولا جريدة ولا قيادة. واستمرت أكثر من ستة أشهر، هكذا من دون دعم أجنبي أو تدخّل خارجي، فهزّت أركان النظام، وجذبت أنظار العالم وأصبحت محط اهتمام وسائل الإعلام وأجهزة الاستخبارات، لما اتسمت به من سعة في المشاركة، ولخوف الجميع من نتائجها. فالثورة مثل (تسونامي) كانت ستهز عروشًا وتطيح أنظمةً، وتصل إلى نظام الملالي في إيران مرورًا بدول المنطقة. وقد تصل رياحها إلى دول آسيا الوسطى والمقاطعات الإسلامية في روسيا التي تنتظر شعلة لتنفجر كالقنبلة. لذلك اجتمع العالم كله على ثورة السوريين، وحاولوا إجهاضها، وبالفعل استطاعوا إيقاف امتدادها على الأرض، لكنهم لم يتمكنوا من انتزاع الشعور الثوري وحب الحرية لدى السوريين. هذه حقيقة، فالسوري الحر لا يمكن أن يرجع إلى حظيرة طاغية دمشق وشبيحته.

لا تأخذنّكم المظاهر والدعايات الكاذبة بأن السوريين يرجعون إلى الوطن بالآلاف، فهذا خداع وكذب، فالسوريون لم يهربوا إلا من بطش النظام ومخابراته، فكيف يعودون إليه؟ وقد أصبح النظام في حقيقته أكثر وحشية، وهو ينتقم من كل من خرج عن الطاعة، لأنه لا يقبل التوبة ويريد تأديب السوريين العائدين. ولن يسلم منه حتى الذين صمتوا وبقوا في سورية ولم يُهاجروا، حيث سيأتي دورهم ويذوقون طعم العلقم، وقد أعلنها النظام صراحة على لسان بعض شبيحته: “سننتقم منكم جميعًا، وسنُعاقب كل من تجرأ بالوقوف ضد النظام”. وبصراحة؛ إن عصابة الأسد لا تريد سورية بعشرين مليونًا بل يكفيهم 10 ملايين، مثلًا، ليس بينهم أغلبية مزعجة، لا سيّما أنه قرر تجنيس عدة ملايين من الشيعة الإيرانيين لتعديل تركيبة الشعب السوري، بما يُرضي تفكيره المريض ويُلبي أوامر أسياده في قُم، الذين يريدون إعادة بناء أمجادهم الغابرة تحت شعارات طائفية مقيتة، ولكن جوهر مشروعهم قومي مجوسي حاقد.

قام النظام بتدمير البلاد، بنيةً وأرضًا وشعبًا ومجتمعًا، وفتح أبوابها للمحتلين، وأصبحت سورية مقسمة خاضعة لنفوذ دول عدة، تدّعي أنها تدافع عن الشرعية أو تُحارب الإرهاب. لكنهم في الحقيقة دافعوا عن إرهاب عصابة الأسد وكرسوا التقسيم، بالرغم من ادعاءاتهم الرسمية الكاذبة بالدفاع عن سيادة سورية، وفرضوا أجنداتهم حتى في ملامح الدستور القادم وشكل سورية المستقبل، بينما يدّعون أن السوريين يجب أن يقرروا مصيرهم بأنفسهم!

كل الدول خدعت الشعب السوري. فعند الضيق لم نجد الصديق، ولا نتحدث عن المعارضة التي خَدعت الشعب السوري وأوهمته بوجود دعم خارجي حقيقي، لكن الحقيقة أن القوى الإقليمية والدولية لعبت بقضيتنا ومنعتنا من تحقيق النصر، واتّبعت سياسة إدارة الأزمة بدلًا من حلّها، والسوريون كانوا الوقود، والكل جرّب حظه وأجنداته وأسلحته في بلادنا، علمًا أنها لا تمت إلى الشعب السوري بصلة.

رأينا لعبة الأمم علينا، فالروس يطرحون الأجندات (لأنهم كبش الفداء والمكلفين من أميركا بالملف السوري)، ثم يوافق عليها الأميركيون بعد تمنّع، وهكذا تُنفّذ الأجندات التي لا يشك عاقل في أنها تُلبي مصالح “إسرائيل” ودول كثيرة.

لقد انكشفت كل الألاعيب والشعارات البراقة التي خدعتنا لسنوات، وأوصلتنا إلى ما نحن فيه، فالفصائل المسلحة الإسلامية (بعد أن قضت تقريبًا على الجيش السوري الحر وحلت محله) باعت الثورة. والقوى المعارضة التي تحدثت باسم الشعب السوري كذبت عليه وكانت مرتهنة للخارج. واليوم وجد السوريون أنفسهم وحيدين أمام الحقيقة المرة، ولم يبق إلا المثل القائل: “لا يحك جلدك مثل ظفرك”.

هناك من يعتقد أن على السوريين الخضوع والانصياع لإرادة قوى المجتمع الدولي المتخاذل، التي تريد تقرير مصيرنا من دون اعتبار لمطالبنا العادلة، وتخاذلت إزاء جرائم الأسد، وهم يريدون تلميع صورة النظام الأسدي المدلل لديهم، الذي خدمهم جميعًا، وفي مقدمة تلك الخدمات حماية “حدود إسرائيل” أربعين عامًا، بالرغم من كونها دولة احتلال وعدوان.

حقوق الشعوب لا تسقط بالتقادم، لأن الحق لا يموت. والمهم عدم التنازل عن حقوقنا والتشبث بها، وإن كان الحصول عليها حاليًا غير ممكن. وهذا لا يمنع من اتباع سياسة حكيمة تجمع بين الممكن والمطلوب دون التخلي عن الثوابت، فيمكن وضع أولويات في المطالب وترتيبها زمنيًا.

لا بدّ من القول إن الأوان قد آن لبلورة تيار ديمقراطي حقيقي شامل لكل السوريين، بعدما فشلت تجارب المعارضة السابقة التي انفردت بالقرار، وابتعدت عن النخب الوطنية والناشطين وفئات واسعة من السوريين.

اليوم، مطلوب منا أن نعيد السياسة والقيادة للسوريين أنفسهم، وخاصة أصحاب المواقف المستقلة، الذين ما زالوا يتمتعون بسمعة نزيهة، ولم يتلوثوا بالارتباط الخارجي أو المال السياسي، وأن يرفع غالبية السوريين، وخاصة الأوساط الناشطة في الداخل والنخب المثقفة في الخارج، ضرورة بلورة إطار ديمقراطي سوري، لا يُقصي أحدًا إلا أولئك الذين يتعاملون مع النظام وأعداء الثورة.

يطالب السوريون بضرورة بلورة تيار ديمقراطي يمثل الصوت الوطني المستقل أمام العالم، ويتمسك بصلابة بحقوق الشعب السوري، ويرفض المهازل التي تُفرض علينا بموافقة هياكل المعارضة الفاشلة التي تنتقل من تنازل إلى تنازل، بحجة أن المجتمع الدولي يريد ذلك.

بدأ السوريون ترتيب بيتهم الداخلي، وإن كانت الحركة بطيئة، لأن المهمة حساسة وصعبة. ومع ذلك هناك عمل دؤوب ولقاءات وتقاطعات، لتوحيد الرؤى والمواقف ثم الانتقال إلى برامج عمل مشتركة، تربط السوريين ببعضهم في الداخل والخارج.

إننا مقدمون على مرحلة تاريخية في عمر الثورة. مرحلة تجميع القوى بقيادات وطنية مستقلة، أغلبها من الشباب، تتمسك بالقرار الوطني المستقل، بعيدًا عن إملاءات القوى الخارجية والقوى التي فرضت نفسها على السوريين دون أن تثبت جدارتها.

يجب المضي قدمًا، وعدم الالتفات إلى الخلف، وما دمنا نمتلك الإرادة والتصميم؛ فسننجح في عملنا، المهم أن نفكر بعقولنا لا من خلال أجندات الآخرين.

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

ميشيل كيلو يكتب: إيران تستعد للمعركة

ميشيل كيلو تبدو واشنطن حائرةً بصدد معركتها مع طهران، وما عليها فعله لنقلها ...