الرئيسية / مقالات / عماد غليون يكتب: في تفكيك الأوليغارشية الأسدية

عماد غليون يكتب: في تفكيك الأوليغارشية الأسدية

الرابط المختصر:

عماد غليون

يدور حديث عن أن عدم انهيار النظام وسقوطه، في احتجاجات الثمانينيات، كان بسبب امتناع مدينة دمشق عن المشاركة في الإضراب السوري العام، وأن من قام بترتيب ذلك العمل هو بدر الدين الشلاح مع تجار دمشق ورجال الدين، ويرى كثيرون أن النظام استطاع التقاط أنفاسه، واستيعاب صدمة الثورة الأولى والصمود؛ بسبب تأخر الحراك الثوري في دمشق العاصمة ومدينة حلب، وعدم الالتحاق المبكر بباقي المدن الثائرة، وفي كلتا الحالتين يظهر دور واضح للتجار ورجال الدين، في دعم بقاء النظام ومساندة دور أجهزته الحربية والمخابراتية القمعية.

مع تصاعد حدة ونطاق التظاهرات، كان سقوط النظام السوري يبدو ممكنًا بل قريبًا، في مراحل عديدة، مع تراجع سطوته وسيطرته على الجغرافيا السورية؛ لكن التطورات أظهرت أن هناك سوء تقدير وعدم إدراك لتركيبة نظام الأسد المعقدة الممتدة لأربعة عقود سابقة، من دون إغفال دور العوامل الخارجية الداعمة لاستمرار النظام.

بالتوازي، كانت تنطلق شعارات إسقاط النظام والرئيس، في الفعاليات الثورية، وانشغل الجميع بالتظاهرات الحماسية، عن تقديم مشروع سياسي ناضج يكون بديلًا عن الأسد ونظامه، يراعي الظروف والحساسيات الداخلية والخارجية، ويحفظ بنية الدولة ومؤسساتها الرئيسية.

احتار العديد من الباحثين في فهم طبيعة نظام الأسد وتصنيفه ضمن الأنظمة السياسية المعروفة، وقد وصل بعضهم إلى حد الإعجاب بأساليب الأسد في الحكم، على الرغم من الاستبداد الظاهر، بداعي ظروف الاحتلال والمقاومة، مثل لويس بيترلان الفرنسي وباتريك سيل البريطاني، أو بطريقته في التحكم والسيطرة الغامضة، على غرار ليزا وادين.

طرح نيقولا فان دام الدبلوماسي الهولندي السابق، في كتابه (الصراع على السلطة في سورية) الأبعادَ الطائفية للحكم العسكري، حيث لخّص مراحل الصراع، من خلال تاريخ اللجنة العسكرية الخماسية والتصفيات المتتالية التي قامت بها، وامتدت حتى صفوفها، ليصل حافظ الأسد في النهاية إلى سدة السلطة منفردًا. ويصنف فان دام ذلك الصراع بأنه ضمن نخبة وأقلية عسكرية.

ضمن محاولات الفهم والتفكيك، طرح المفكر الراحل صادق جلال العظم مصطلحًا مبتكرًا هو “العلوية السياسية”، ما فتح الباب أمام نقاشات حامية، سواء لتأصيل هذا المفهوم الجديد أو تصويبه ورفضه.

تحدث العظم عن الطائفية بشكل مباشر، وقام بتوصيف دورها من دون تورية، كما فعل كثيرون غيره بداعي الابتعاد عن إثارة المشاعر، وبيّن أن النظام أعاد إحياء هذا البعد المكبوت تاريخيًا مستخدمًا الطائفة العلوية، كقوة مقاتلة في قهر السوريين وبخاصة الأغلبية السنية.

طرح العظم رؤيته الخاصة للحل بسقوط العلوية السياسية، باعتبار أنها العمود الفقري للسلطة وأجهزة القمع من الطائفة العلوية، وكان يعتقد أن الصراع لا يمكن أن ينتهي دون سقوط العلوية السياسية تمامًا، كما حصل في لبنان مع سقوط المارونية السياسية.

رفض كثيرون العلوية السياسية، خشية الأبعاد الطائفية وراءها، بينما كان الراحل العظم يرى ضرورة طرح المسألة الطائفية للنقاش العام، بغية تخليصها من نقاط التوتر والعصبيات والغرائز، لأن إخفاءها يساهم في تفاقمها وتفجرها بشكل عنفي لا يمكن احتماله، الأمر الذي يسبب المزيد من الدمار والخراب.

لا يحمل مصطلح نظام الأسد أي مضامين أو قيم سيئة، كما يسود الاعتقاد في صفوف المعارضة والثورة، ويستخدم مصطلح النظام السياسي بشكل أكاديمي صرف.

هل يمكن المجازفة وإطلاق الأوليغارشية الأسدية؟ الأوليغارشية تعني -بتعريفها البسيط- سيطرة فئة قليلة على الحكم، وهي تتمتع بالمال والنسب والنفوذ والسلطة العسكرية، وتُشكّل هذه الفئة النواة الصلبة للنظام، من عائلة الأسد وأقاربه ومقربين منه، معظمهم من الطائفة العلوية، من كبار رجال المال والأعمال وضباط مخابرات وجيش، لكن الأسد، لدعم نواة حكمه الصلبة، نسج حولها قشرة سميكة متعددة الطبقات، من تحالف مصالح يشمل شخصيات من أقليات طائفية وقومية ورجال مال وأعمال وكبار التجار ورجال الدين والطرق الصوفية وشيوخ العشائر والوجهاء ومجموعة من الكتاب والفنانين وبعض الشخصيات السياسية، تحت عباءة الجبهة الوطنية التقدمية وبعض شخصيات المعارضة الشكلية، وهنا تظهر فرادة الأسد وقدرته على التحكم في مكونات المجتمع السوري والهيمنة عليها، وجعلها تعمل على خدمته وبقائه.

على الرغم من تطابق الوصف، لا يحبذ البعض إطلاق الأوليغارشية، وإن كانت متبوعة بالأسدية، ربما للرغبة في عدم منح الأسد أي شرف بتصنيف سياسي، بمقارنته مع بعض نماذج الحكم الأوليغارشية الراقية التي ظهرت، بالرغم من أن مصير الأوليغارشية بالمجمل هو التحول نحو الاستبداد والاستئثار بالسلطة، كما ذكر أرسطو، ومع انكشاف اعتماد تلك الأنظمة على النفوذ الأجنبي بشكل رئيسي دون أي رصيد جماهيري.

عملية إطلاق المصطلحات ليست ترفًا فكريًا، ولا بد منها للفهم والتفكيك، وإسقاط نظام الأسد أو العلوية السياسية، أو الأوليغارشية الأسدية، يتم بتعرية القشرة الحامية لنواته الصلبة عبر إيجاد تمثيل حقيقي فاعل لمكونات المجتمع السوري يضمن مصالحها بشكل عادل، ومن ثم تحطيم النواة الصلبة نفسها، ومنعها من إعادة إنتاج نفسها، وتهشيم وإسقاط مركز النواة الذي يتمثل برمزية وقدسية الأسد الأب والابن، يُدرك الأسد ذلك تمامًا، ولذلك يعمل على إعادة نصب تماثيل الأسد الأب، في تحد سافر للمجتمع السوري.

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

رضوان زيادة يكتب: سوريا بلد الذل والأغلال

رضوان زيادة ما زال للصورة سحرها، فبالرغم من أن كل سوري يعرف ...