الرئيسية / مقالات / نزار السهلي يكتب: نواب الشعب ضيوف الطاغية

نزار السهلي يكتب: نواب الشعب ضيوف الطاغية

الرابط المختصر:

نزار السهلي

قبل عامين، سألتُ أحد الأصدقاء الفرنسيين، عن زيارة أعضاء من البرلمان الفرنسي إلى سورية (كان رأسها آنذاك اليميني جاك ميار المعروف بعدائه الشديد للاجئين وللعرب والمسلمين عمومًا) ودار حديثهم بعد الزيارة حول “استقرار الأوضاع” هناك، وعن أن “الأسد يُحارب الإرهابيين”. أجابني الصديق المطلع على مجريات الأمور أن أربعة برلمانيين من أصل 543 من النواب والشيوخ لا يشكلون غالبية، وأن هؤلاء لم يقوموا بزيارة سورية بل قصر بشار الأسد.

ينسحب ذلك الجواب اليوم على زيارات برلمانية عربية من تونس والأردن قبل أيام، وغيرها، تتوجه إلى قصر الأسد، لا إلى مدن وقرى وأحياء سورية في محيط العاصمة أو القصر، أو تلك البعيدة التي تم تدميرها وتعفيشها. ولم نسمع عن زيارة وفد برلماني عربي مثلًا لمخيمات الزعتري أو الركبان أو في الشمال السوري، وهذا وحده يختصر نصف ما يعرفه السوريون، حيث إن الأهداف من وراء هذه الزيارات التطبيعية باتت معروفة، وهي تتقاطع مع زيارات مماثلة لنواب غربيين، يُمثّلون تيارات عنصرية وفاشية في بلدانهم، تلتقي مع النظام لنفس الأهداف والغايات، من خلال تسليط الحرب على اللاجئين السوريين إلى بلدان النواب الزائرين، ودفعهم إلى العودة.

تأتي زيارة أعضاءٍ من البرلمان الأردني لقصر بشار الأسد، برئاسة عبد الكريم الدغمي صاحب شعار “الأردن أولًا”، ضمن نفس الأهداف الساعية لدعم خطة الأسد لإخضاع اللاجئين السوريين في الأردن وعلى الحدود. لكن لا يمكن نسب فردية الزيارة هنا، إلى تلك التي حدثت مع مثيلاتها الغربية؛ لأن البرلمانات العربية، ومنها البرلمان الأردني، لم تكن في يوم من الأيام تمثل نبض أي شارع، لكونها لسان الأنظمة وذراعها وقبضتها. وتأتي الزيارة بعد تسخين التصريحات الرسمية لوزير الخارجية وبعض الأصوات البرلمانية حديثها عن اللاجئين السوريين، وضرورة إغلاق ملفهم الإنساني، حسب التعريف الصادر.

يستلزم إظهار المصلحة المباشرة وغير المباشرة، لهرولة التطبيع عربيًا وغربيًا مع الأسد، تحديد الوضع المحاط به أو الوظيفة المستفاد منها بشكل مشترك، فالنواب العرب -على سبيل المثال- تمثيلهم الرسمي يشبه تمثيل وانتخاب الأسد، وهي علاقة وطيدة، من دونها لا يمكن أن يكون الأسد في السلطة، ولا هم نواب في البرلمانات. والأسد تعميم لحالة السلطة الرسمية العربية ورؤيتها لممثلي الشعب، أما في الحالة الغربية فهو مرآة الفاشية التي تلمع عند تسليطها على اللاجئين السوريين، وعلى الشعب السوري المتهم بالإرهاب، لخروجه عن طاعة الطاغية.

في الحياة البرلمانية العربية، لا يمكن لعاقل أن يُقنع السوري أن هذه الزيارات تتم بشكل منفرد؛ لولا رغبة السلطات الحاكمة بمدّ الجسور مجددًا للنظام، بعد تلك الأمنية واللوجستية والمالية السرية.

لم يعد مستغربًا هذا التقاطر نحو قصر الطاغية، لإعادة إنتاج تعريف يأخذ كل أبعاد تطوير وإيضاح الجريمة في سورية، ولم تعد تلك الزيارات “شخصية” وضمن نقابات تروج لها، بل أصبحت حالة رسمية يُحتفى بها عبر ممارسات محددة، تحت علاقات أمنية واقتصادية وسياسية وفنية وأدبية، ارتبط وجودها الموضوعي بشكل وثيق مع النظام، وتقهقر خلال سنوات الثورة، وعلى نحو أكثر دقة، ارتبط مصيرها بمصير النظام ككل؛ لأنها اقتاتت عقودًا طويلة على منطق سلطوي وفاشي عرّته الثورة السورية.

بالاعتماد على هذا المنطق، نستطيع أن نقذف جانبًا بأساطير نواب “ثوريين وقوميين” ومثقفين وأدباء وفنانين وسياسيين، تحوّلَ نمط ظهورهم مؤخرًا من على بساط الأسد، وعادوا إلى ساحة الفعل، من باب تمجيد جرائم الأسد “انتصاراته” بتقزيم الذات والتاريخ، لمصلحة هوس ومرض المجرم، وبذلك تخلصنا من أحاجي التفكير والتمثيل والإبداع وتمثيل الشارع والشعب. عندما يتساءل هؤلاء كيف لمجرم أن يصمد بوجه المؤامرة كل هذه السنوات! ثم يتحدث: “أهمية زيارات الوفود البرلمانية تنبع من كونها المعبّر الحقيقي عن المواقف الشعبية والبوصلة الموجهة للعلاقات الثنائية بين الدول التي يجب أن يكون محركها على الدوام هو تحقيق مصالح الشعوب وتطلعاتها”.

لقد عرف السوريون تحت أي شكل تتجلى نوبات الخذلان المستمر، واجترار الشعارات التي تحكم العلاقة بين النظام وبين برلمانيين وغيرهم، يسخّرون العلاقة فيما بينهم للنيل من قضايا السوريين، فهذه كراسي النواب وكعكة الفنانين والسياسيين والأدباء، من داخل خيمة الأسد البرلمانية والفنية والوطنية أو من خارجها، تسمح بتحليل حقبة العار التي تلت ثورة سورية وخذلانها، وأهمية دراستها من الناحية النفسية والمادية، لأنها لن تقف عند نواب الملك في ضيافة طاغية وممثليه، ليكون لسانهم عودوا لحضن يقتلكم أو يخنقكم أفضل لكم من صحاري وبحار تبتلعكم.

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

علي العبد الله يكتب: القومية والشعبوية وخطر حرب نووية

علي العبد الله أعاد السجال الأميركي الروسي بشأن خرق معاهدة الحدّ من ...