الرئيسية / تحقيقات / أطفال سوريا اللاجئين بين سندان العمل ومطرقة الفقر

أطفال سوريا اللاجئين بين سندان العمل ومطرقة الفقر

الرابط المختصر:

غازي عينتاب – مدار اليوم

23/11/2018

منذ اندلاع الثورة السورية والمدنيون هم الخاسر الأكبر فيها، حيث عانوا من القتل والتهجير الممنهج الذي أودى بهم الى المخيمات او دول الجوار كما هو الحال في تركيا، فقد لجأ نحو أربع ملايين سوري اليها سواء أكانوا في المخيمات أم داخل المدن والبلدات، وكان لولاية غازي عينتاب نصيبها منهم، فيما يقدر عدد السوريين المتواجدين بها أكثر من 600 ألف مواطن بحسب إحصائيات أجرتها بعض المنظمات مؤخراً.

الأسباب التي دفعت الأهالي الى دفع أطفالهم للعمل

تعاني تلك العوائل من مشاكل كبيرة أهمها تأمين فرص العمل لتغطية متطلباتهم اليومية وما يترتب عليهم من آجار وفواتير، في ظل غياب ملحوظ لبعض معيلي تلك العوائل الذين هم اما قتلوا او في معتقلات الأسد وحلفاؤه او في جبهات القتال في سوريا، لذلك نجد أن العديد من الأهالي يعتمدون في دخلهم الشهري على أطفالهم الذين أصبحوا مطالبين بإعالة أسرهم وسد جزء من الفراغ الذي تركه من كان يعيلهم في سوريا، وأدّى ذلك الى وجود أعداد كبيرة من الأطفال المتسرّبين من المدارس والذين يعملون في مجالات عديدة، ما جعلها تبدو كظاهرة اجتماعية طرأت على شخصية الطفل السوري، فبات مشهد الأطفال السوريين العاملين في الأسواق وورشات الخياطة والمهن اليدوية خلال أوقات الدوام الرسمي في المدارس أمراً اعتيادياً في المدن التركية.

الآثار السلبية ومخاطر عمالة الأطفال

خلّفت الحرب في سوريا آثار سلبية عديدة كان تأثيرها كبيراً ومباشراً على الأطفال كونهم الفئة الأضعف والتي تحتاج الى رعاية بشكل مستمر، ما خلق أرضية هشّة لديهم أجبرتهم على التسرّب من الدراسة واللجوء الى العمل في ظاهرةٍ ملازمة للكوارث والحروب، والتي وضعت عباءة ثقيلة على كاهلهم وهددت سلامتهم ومستقبلهم وجعلتهم لقمة سائغة لضعاف النفوس والمستغلين.

فيما لم يبق أمام الطفل خياراً في مواجهة صعوبة الحياة سوى العمل او التسول الذي لا يقل بشاعة عن سابقه، وغالباً ما نجد العديد من الأطفال يلجؤون الى التسول بعد تجارب فاشلة وقاسية ومعاملة سيئة في العمل، ما يزيد من نسبة خطورة الاعتداءات الجسدية او التحرش الجنسي عليهم من قبل أصحاب العمل خاصة الإناث منهم.

ناهيك عن حرمانهم من التعلّم كغيرهم من الأطفال ما سيؤثر بشكل سلبي على المجتمع بأسره، لاعتماد المجتمعات المتطورة على فئة الشباب التي تعتبر مرحلة الطفولة هي الأساس لها.

حيث يترك ذلك تأثيراً عكسياً على شخصية الطفل وحرمانه من طفولته، ما قد يزعزع شخصيته ويجعله انطوائياً او عدوانياً بسبب الضغوط التي يتعرض لها في عمله

لقاءات مع أطفال وذويهم

التقى مراسل صحيفة “مدار اليوم” في ولاية غازي عينتاب التركية مع والدة الطفلة “مروة” البالغة من العمر تسع سنوات، والتي تعمل في بيع المناديل في إحدى الأسواق المكتضّة بالسوريين، حيث قالت إننا نعيش وضعاً سيئاً بسبب غياب زوجي ومعيل أسرتي المعتقل لدى نظام الأسد منذ أكثر من أربعة أعوام، ناهيك عن ابنتي البالغة من العمر 13 عام والتي تعاني من ضمور في الدماغ، ما يزيد من مأساتنا لما يترتب علينا من أدوية ومستلزمات أخرى، ما يلزمني البقاء في المنزل لفترة طويلة خوفاً من حصول أي مكروه لابنتي وهذا ما يجعلني أعتمد على طفلتي الصغيرة في تأمين قوت عيشنا وأدوية أختها الكبيرة، بالإضافة الى بعض الأشخاص الذين يقدمون لي بعض المساعدات البسيطة، الا أنني غير راضية عما يحصل لنا لإدراكي بأن طفلتي قد حرمت من الكثير من الأمور كالتعليم والطفولة، إضافة الى تحميلها أعباءً أكبر من عمرها وتعرضها للخطر والتحرش والمرض أثناء تجولها في الشوارع لكن هذا ما فرضته علينا الحرب.

فيما رافق مراسل “مدار اليوم” طفلاً آخر الى منزله للحديث عن عمله، حيث قال والد الطفل “س.أ” أنني مصاب بشظايا صاروخ في قدمي ما يمنعني من بذل الجهد او العمل لساعاتٍ طويلة، وأنا لدي ثلاثة أطفال أكبرهم إبن البالغ من العمر 14 عام والذي يعمل في مغسلةٍ للسيارات نحو 12 ساعة في ظروف صعبة مقاوماً فيها البرد القارس والتعب الشديد، الذين لم يكونا أسوأ ما في الأمر مقارنة بالمعاملة السيئة من قبل صاحب العمل وأصحاب السيارات ممن يرتادون تلك المغسلة، مشيراً الى أن ابنه قد يتعرض للضرب والإهانة من قبلهم ما أثر على نفسيته وجعله طفلاً عدوانيّاً وخائفاً من أغلب الأمور، حتى أنه لم يعد يجتهد في اتخاذ قراراته كما لو أنه قد تمت برمجته على تلقي الأوامر فقط.

وذكر أيضاً إننا نعمل في المنزل على صف الألماس الذي يستخدم في صناعة الأحذية، لكن مردوده لا يكفينا لذلك نضطر الى إرسال “س” الى العمل، وفي نهاية لقاءه قال إننا ندفع ضريبة معارضتنا للأسد حتى في بلاد اللجوء.

حقوق الطفل

أقرّ زعماء العالم في عام 1989، أن أطفال العالم بحاجة إلى اتفاقية خاصة بهم، لأنه غالبا ما يحتاج الأشخاص دون الثامنة عشر إلى رعاية خاصة، وقد تم التصديق عليها حتى الآن من قبل 193 دولة وكل حق من الحقوق التي تنص عليه الاتفاقية، يتلازم بطبيعته مع الكرامة الإنسانية للطفل وتطويره وتنميته المنسجمة معها، وتحمي الاتفاقية حقوق الأطفال عن طريق وضع المعايير الخاصة بالرعاية الصحية والتعليم والخدمات الاجتماعية والمدنية والقانونية المتعلقة بالطفل.

حيث تنصّ المادة 32 من اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 على ما يلي:

1: تعترف الدول الأطراف بحقّ الطفل في حمايته من الاستغلال الاقتصاديّ ومن أداء أيّ عملٍ يُرجَّح أن يكون خطيراً أو أن يمثّل إعاقةً لتعليم الطفل أو أن يكون ضارّاً بصحّة الطفل أو بنموّه البدنيّ أو العقليّ أو الروحيّ أو المعنويّ أو الاجتماعيّ.

2: تحديد عمرٍ أدنى أو أعمارٍ دنيا للالتحاق بالعمل.

3: وضع نظامٍ مناسبٍ لساعات العمل وظروفه.

4: فرض عقوبات أو جزاءات أخرى مناسبة لضمان إنفاذ هذه المادة بفعالية.

توصيات وحلول

إننا ملزمين بمطالبة الحكومات والدول والمجتمعات الدولية والإنسانية الأخرى على ممارسة دورها الفعال في منع تلك الممارسات، على مبدأ احترام سلم النشوء والتطور المهم، ووضع قانون يمنع عمل الأطفال لأجل الطفولة ولإنهاء موضوع البطالة الناتجة عن عمالتهم فكل مرحلة عمرية لها مشاكلهم وصعوباتها لكن الجريمة أن تمر الطفولة بمشاكل وعليه فإننا نطالب:

  • الحكومة التركية على تفعيل قانون عمالة الأطفال التركي وتطبيقه على الأطفال السوريين ومحاسبة أصحاب العمل المخالفين لتلك القوانين.
  • منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية بتقديم الدعم لسد احتياجات الأطفال السوريين في المدارس.
  • نشر الوعي لدى الأهالي من مخاطر عمالة الأطفال ونتائجها السلبية التي ستلحق بهم

وضرورة معالجة أسبابها وعواقبها باعتبارها مسألةً ملحّة.

ويترتب علينا المطالبة بالعديد من الأمور التي تحمي الأطفال وتضمن لهم حياة كريمة كباقي أقرانهم، وضمان عدم تسرّبهم من المدارس وإكمال تعليمهم لأنهم هم من سيصنع مستقبل سوريا.

 

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

عندما يكون الجهد أكبر من المردود

غازي عنتاب – مدار اليوم يعاني السوريون في ولاية غازي عينتاب من ...