الرئيسية / مقالات / سوسن جميل حسن تكتب: المرأة التي تصنع السلام

سوسن جميل حسن تكتب: المرأة التي تصنع السلام

الرابط المختصر:

سوسن جميل حسن

حقوق النساء، مناهضة العنف ضد المرأة، مناهضة التمييز، المطالبة بالمساواة، وغيرها الكثير من الأهداف التي تطلق الشعارات من أجلها وتنظم المظاهرات وتقام المؤتمرات والفعاليات وتعقد الاتفاقيات، ويبقى الواقع أقل من مستوى الطموح بكثير، بل تبقى في الظل ممارسات لا تخلو من كل أشكال الانتهاكات، إما بشكل واضح أو بشكل موارب، فالمرأة لم تأخذ حقوقها كفرد بشري لا يختلف عن الرجل إلاّ بيولوجيًا.

لا بدّ من النظر في واقع المرأة عالميًا، وفي واقع المرأة العربية والسورية خصوصًا، فالمرأة في العالم ما زالت مكبلة إلى قيود وأعراف وقوانين السلطة البطريركية التي تدير العالم حتى في أكثر المجتمعات تحررًا وميلاً نحو المساواة بين مواطنيها، وإذا كان هناك العديد من الفروق الثقافية التي تميز الشعوب عن بعضها، ومن التباين في التمسك بالموروث وقداسته وعدم المس به، فإن هناك ممارسات غير معلنة أو تحدث في الظل تجعل من النساء شريحة مستهدفة مستضعفة

الحركات النسائية لاتزال تناضل بقوة لبلوغ أهدافها، ومع ذلك فالمرأة تعاني من التمييز وتفضيل الرجل عليها إن كان في قطاع العمل أو التمثيل السياسي وغيرهما

تدفع فواتير التحكم الذكوري السلطوي على مستوى العالم. ففي الدول الأوروبية مثلاً ما زالت المرأة تناضل من أجل حمايتها وحماية حقوقها التي نالتها والمطالبة بمزيد منها، وإذا اتخذنا من ألمانيا مثالاً فإن المرأة فيها أكثر قوة وقدرة على الدفاع عن حقوقها في المجتمع مقارنة بالبلدان الأخرى، كما أن الحركات النسائية لاتزال تناضل بقوة لبلوغ أهدافها، ومع ذلك فالمرأة تعاني من التمييز وتفضيل الرجل عليها إن كان في قطاع العمل أو التمثيل السياسي وغيرهما، كما أن هناك دائمًا قضايا وشكاوى يُبلغ عنها في مجال العنف ضد المرأة الذي قد يصل حد القتل، لكن مبررات هذا القتل تختلف بين امرأة مهاجرة وأخرى ألمانية، تختلف في التسمية والدوافع، وفي نسبة الوقوع، فممارسة العنف تجاه الشريك المرأة الذي قد يصل حد القتل يسمى في المجتمعات المتمسكة بالأعراف والقيم الدينية جريمة شرف بينما تسمى في ألمانيا مشكلة عائلية قد يكون دافعها الغيرة أو أي اضطراب نفسي آخر، والسبب الرئيسي أن ثقافة المجتمع تجاوزت موضوع الشرف المرتبط بكينونة المرأة وتحميلها وزره.

أكثر ما ينتهك حقوق الأفراد بشكل عام، وحقوق المستضعفين بشكل خاص هي الحروب التي من صنع أصحاب القوة والنفوذ المسيطرين على ثروات البشرية ومحتكري أموالها ومستغليها، حتى لو كان المقاتلون في الصفوف الأمامية وغالبية الجيوش من جنود وقادة من الرجال، لكن الحروب هي في النتيجة من صنعهم وتحت إدارتهم والمرأة تدفع الأثمان من دون أن تُسأل أو أن يكون لها القرار أو تساهم في صنعه. وبالنسبة للحالة السورية فإن سنوات الحرب التي دمرت بنيان المجتمع والدولة السورية فإن المرأة كانت الضحية الأكبر بالنسبة للنتائج المباشرة وبالنسبة لغير المباشرة التي لم يحن الوقت بعد لاستقصائها ودراستها بشكل كامل، لكن الواقع يشير إلى نتائج كارثية دفعت بالمجتمع عقودًا إلى الوراء، وهذا لا يعني بأن المرأة السورية قبل الحراك الذي دُفع ليكون حربًا مدمرة كان وضعها أكثر إشراقًا، فالحقيقة أنها كانت منتهكة الحقوق مرتين، مرة كمواطنة في دولة يحكمها نظام قمعي متعدد السلطات المتواطئة مع بعضها البعض من نظام سياسي إلى ديني إلى اجتماعي إلى إداري وغيرها، ومرة أخرى كفرد بشري حكمت عليه الثقافة المتوارثة أن يكون دائمًا ظلاً للرجل صاحب الحقوق والسيادة، وحصرته في قالب نمطي يمنعه من النمو والتطور فبقيت المرأة مشلولة عاجزة عن إدراك ذاتها وتفعيل طاقاتها وقدراتها الإنسانية، ولم يسعَ حزب البعث الحاكم على مر خمسين عامًا إلى كسر هذا القالب النمطي وإطلاق طاقات المرأة بالرغم من منطلقاته النظرية وعلمانيته المدعاة، بل كانت المرأة منتهكة الحقوق ومعرضة للابتزاز والقمع، حتى في ظل وجود منظمة شعبية ملحقة بالحزب الحاكم “قائد الدولة والمجتمع” كما يعرّف نفسه، هي الاتحاد النسائي المنحل منذ ثلاثة أعوام تقريبًا، هذا الاتحاد الذي لم يدافع عن حق النساء ولم يعمل على تطوير القوانين الشخصية الجائرة بحق المرأة، ولا القوانين العامة، كما لم يدافع مرة واحدة عن معتقلات الرأي أو السجينات السياسيات.

لكن سنوات الدم السورية فاقمت الكارثة المتعلقة بالنساء، فالمرأة هي المتضررة الأكبر، إذ ألحقتها الإرادة الذكورية صاحبة القرار إلى التعلق بعجلة الحرب، فصارت أداة من أدواتها، مرة ميدانيًا ومرة بحصد نتائجها في تحمل مسؤولية الأسرة التي غاب الأب فيها، فتحملت الجوع والفقر والحرمان والتشرد وانتهاك كرامتها كأنثى بالمساومة على جسدها وإرادتها، وكانت مجبرة على أن تقدم أبناءها وقودًا للحرب مثلما لو أنها منذورة للإنجاب من أجل الموت لا من أجل الحياة. لم ينته الأمر هنا، بل إن ما تعرضت له النساء

ما زالت الحرب تحصد ما تحصد وتفرض منطقها ونمط الحياة على مناطق النزاع، بينما المرأة التي لم تُسأل عن رأيها ولم تشارك في صنع قرار الحرب تدفع الثمن الأكبر.

تحت سلطة الفصائل المتشددة الساعية إلى فرض شريعة تسندها إلى الدين فإن المرأة عادت إلى الوراء عقودًا وصارت بطريقة أكثر قسوة وشراسة تُسام الذل وانتهاك حياتها وكرامتها، من طرق العقاب على جرائم  تحملها إياها الثقافة المتخلفة الظالمة التي لا تعترف بإنسانيتها، إلى زواجها طفلة إلى تعدد الزيجات إلى حرمانها من حقها في التعليم إلى حرمانها من سلسلة حقوق لا تنتهي، كل هذا وما زالت الحرب تحصد ما تحصد وتفرض منطقها ونمط الحياة على مناطق النزاع، بينما المرأة التي لم تُسأل عن رأيها ولم تشارك في صنع قرار الحرب تدفع الثمن الأكبر.

لو تحررت المرأة من سلطة الثقافة الذكورية، وتُركت لتقرر مصير العالم، هذا العالم الرازح تحت حكم أصحاب الثروات ورؤوس الأموال والاحتكارات الجشعة النهمة للدم، ربما كان منطلق سعيها وغايته هو صنع السلام. كيف سيكون وجه العالم مع السلام؟ مجرد التفكير في حلم كهذا ربما يهز مضاجع غيلان المال وصناع الحروب وتجار الدم والأجساد والكرامات الإنسانية. لذلك فإن طريق النضال والكفاح أمام المرأة طويل طويل، ولو يتمعن الرجال بواقع العالم اليوم لراجعوا أساسيات ومنطلقات منظوماتهم الفكرية والأخلاقية، ولسعوا إلى استنهاض طاقات المرأة الكامنة، وإحيائها وفتح المجال لمواهبها وإبداعاتها، المرأة صاحبة البطن الخلاقة لن تكون إلاّ صانعة السلام… ربما أتهم بالانفصال عن الواقع، فليكن، الأحلام دائمًا فيها انفصال عن الواقع، لكن طريق أي منجز بشري ابتدأ بحلم، وكل حلم يبدأ بتضحيات ومشواره مفتوح على الزمن، فلتكن شعارات مناهضة العنف والتمييز ضد النساء شعارات تدعو إلى السلام وتصر عليه في وجه هذا التغول البشري الذي ينتهك الأرض والطبيعة والبشر ولا يشبع.

المصدر: تلفزيون سوريا

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

يوسف عبد الله العنيزي يكتب: هتشكوك… والعالم العربي

يوسف عبد الله العنيزي مليارات تهدر لشراء الأسلحة وتمويل الحروب في الوقت ...