الرئيسية / مقالات / حازم صاغية يكتب: جبهة أخرى لا يحتملها العالم

حازم صاغية يكتب: جبهة أخرى لا يحتملها العالم

الرابط المختصر:

حازم صاغية

لم يكن ينقص عالَمنا المتوتر ظهور بؤرة توتر أخرى، وفي أوروبا خصوصاً. حصل هذا قبل أن ينتهي الاحتفال بانقضاء قرن كامل على نهاية الحرب العالمية الأولى، التي كانت في أساسها حرباً أوروبية.
البؤرة الجديدة –التي عكست ظلالَها على قمة الدول العشرين في بوينس آيريس وحملت الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إلغاء اجتماعه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين– كان مسرحها مضيق كيرش في طرف بحر أزوف الواقع بين روسيا وأوكرانيا وشبه جزيرة القرم. ذلك أن حرس الحدود الروس أطلقوا النار على ثلاث سفن أوكرانية واحتجزوا ملاحيها الـ24. الروس قالوا إنّ السفن انتهكت مياههم الإقليمية، وهو ما نفاه الأوكرانيون الذين أثبتوا ذلك بالخرائط التي قدموها، محذِّرين من رغبة روسية عارمة في التوسع.
الحجج والمناشدات ذهبت أبعد: الروس أكدوا أن الأوكرانيين هم من افتعلوا الأزمة، لأنّهم سيذهبون، في العام القادم، إلى انتخابات لابد أن يفشل فيها رئيسهم بترو بوروشنكو ضعيف الشعبية. لهذا فإن بوروشنكو يحرّك المشاعر القومية المناهضة لروسيا كي يكسب الانتخابات. الأوكرانيون، من جهتهم، حضوا حلف «الناتو» على إرسال سفن حربيّة إلى المنطقة، معلنين حالة طوارئ، ومتخذين إجراءات مصرفية ضد الروس المقيمين في بلدهم، قبل أن يمنعوا كل الرجال الروس الذين تتراوح أعمارهم بين الـ16 والـ60 من دخول أوكرانيا.
أهمّ من ذلك، أنّ موسكو أعلنت عن إرسالها صواريخ «إس 400 أرض –جوّ » إلى شمال شبه جزيرة القرم التي ضمّتها في 2014، وقالت إنّها تنوي بناء محطة رادار صاروخيّ للإنذار المبكر هناك. والمعروف أن روسيا ما أن ضمت شبه الجزيرة، حتى بنت جسراً بطول 19 كيلومتراً كي يربطها بها. أما أوكرانيا، التي تتحدث عن حصار اقتصادي وعن نوايا توسع روسي، فكانت قد باشرت، بعد الضم، بناءَ جدار لم تكمله حتى اليوم، ويبدو أن كلفته الكبرى حالت دون ذلك. وإذا صح أن التدخل العسكري الأوروبي مستبعد، بحسب ما أكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، فهذا لا يلغي احتمال قيام «الناتو» بتعزيز حضوره العسكري في البحر الأسود،لا سيما وأن عضويه البلغاري والروماني في المنطقة المذكورة لا يخفيان قلقهما حيال سياسات بوتين.
وأخيراً، وهذا ما يزكّي السيناريوهات الأكثر تشاؤماً، فإن الاتفاقية الموقعة بين موسكو وكييف في عام 2003، حول بحر أزوف، تركت الكثير من النقاط الحساسة على شيء من الغموض. بعد ضم 2014، تحول هذا الغموض إلى مصدر للخطر المباشر، خصوصاً وأن روسيا فرضت حضورها العسكري الأحادي كأمر واقع على تلك المنطقة.
لكنْ لماذا حصل ما حصل؟ هناك بالتأكيد العلاقات التاريخية المعقدة بين روسيا وأوكرانيا، والتي شهدت بعض أعنف فصولها إبان العهد الستاليني. فذاك البلد الزراعي الغني الذي لُقّب بـ«سلة خبز الاتحاد السوفييتي»، والذي عُرف فلاحوه تقليدياً بالاستقلالية والتعلق بالأرض، هو الذي عانى مجاعة منظّمة فرضتها عليه موسكو، عام 1932، من خلال مطالبته بتقديم أضعاف كمية القمح التي كان يقدمها. وقد قدر بعض المؤرخين أن ضحايا تلك المجاعة بلغوا خمسة ملايين شخص، وتركوا في الوعي الجماعي الأوكراني حساسية سلبية وحادة عمموها على الروس.
لكن الخلفية التاريخية تقدم الإمكانية ولا تقدم الحتمية. هنا ينبغي أن نبحث عن القومية الشعبوية التي تصعد اليوم في العالم كله، فتخرّب الديمقراطية بيد وباليد الأخرى تخرّب العلاقات الدولية السليمة. إلا أن عنصراً آخر لا يقل أهمية يلوح راهناً في الأفق: إنه ضعف الغرب وسلبيته، مقابل السياسات الحازمة للرئيس الروسي بوتين الذي بات يتصرف وكأن لا رقيب على نواياه وهواجسه المتعلقة بالقوة العسكرية لروسيا.
فهل «ستستمر الحرب ما دامت السلطات الأوكرانية الحالية باقية في الحكم»، كما أعلن بوتين؟ أم أنّنا «سنحظى» ببؤرة توتر جديدة تكون قابلة للتفجير حين تستدعي مصلحة ما ذلك؟

المصدر: الإتحاد

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

وليد شقير يكتب: التأرجح اللبناني بين «ممانعة» وأخرى

وليد شقير يتأرجح لبنان بين السيء والأسوأ، ويعجز عن الثبات في موقع ...