الرئيسية / مقالات / كييرا والس تكتب: هل ضجرنا من سورية؟!

كييرا والس تكتب: هل ضجرنا من سورية؟!

الرابط المختصر:

كييررا والس

الأسد، حلب، هجمات كيمياوية، لاجئون، هجرة، عبور المتوسط، دمشق، حدود، غارات جوية، تدمير، متمردون…

تلك هي الكلمات التي اعتدنا سماعها في ما يتعلق بسورية، لكننا في الحقيقة لم نفهم بعدُ المعنى الحقيقى لها، ولم نعِ دلائل أي منها. حيث إن هناك انقسامًا غيرَ مفهوم في المجتمع الغربي، عند أولئك الذين غالبًا ما يجدون أنفسهم يتغيرون مثل حركة البندُول؛ بين تخمة وسائل الإعلام بأخبار سورية، وبين الملل/ الضجر الذي يبدو أنه قد بلغ حد الإحباط، في ظل عدم وجود مسار واضح للتطورات.

يُشار إلى سورية وكأنها مجرد “كلمة/ لفظة”، وليس كأنها دولة أو مواطنون؛ وتُذكر كأنها مجرد “مفهوم” برز مع اندلاع الحرب فيها. ولكن الحقيقة تقول إنها أزمة لاجئين.. إنها أزمة إنسانية.. إنها ثورة. وعندما يقابل أيُّ واحد منّا [الغربيين] زملاءَ العمل السوريين أو أصدقاءه السوريين، فإننا ببساطة، نتصرف بلطافة، ونخفض رأسنا وأعيننا، ونبدي امتعاضنا وإنكارنا. ونُكرر آخر سطرين سمعناهما عن سورية، وبسرعة ننتقل إلى موضوع آخر يكون أقلّ إزعاجًا وواقعيةً، موضوع يعنينا أو يمكننا فهمه.

هل حقًا ضجرنا من ذكر اسم سورية؟ ليس تمامًا. ببساطة، إننا ضجرنا من ذلك لأننا أتخِمنا من سماع الأنباء المتوالية. في عصر المعلومات، غالبًا ما تطغى الكمية على الجودة، ونحن نتكيف على استيعابها من خلال تناولها، لكننا أُصبنا بالتخمة من الأخبار غير المشوقة، ومع ذلك نتوق دائمًا إلى المزيد. لا يوجد تمييز في الجودة، فكل قصة إخبارية فاضحة تصرخ بأعلى صوت ممكن، للفت الانتباه، لتطغى على صرخات أولئك الذي يطلبون الرحمة والنجدة، ولا يتجلى ذلك في مكان أكثر من أخبار الثورة السورية وأزمة اللاجئين الناجمة عنها.

الموقف المتميز في هذا المقال، في تناول أزمة مدنية وسياسية وإنسانية، هو اختيار مناقشة موضوع الضجر وأسبابه. إن تصوير وسائل الإعلام لهذا الصراع يحول دون فهم هذه الحالة؛ فالإعلام يُصوّر أي حالة (هنا الحالة السورية) على أنها بعيدة عنا بما يكفي، لدرجة لا توجب علينا التعامل معها، ولكنها تتحول إلى مشكلة (بنظر هذا الإعلام) عندما تلامس حياتنا. على الرغم من هذا، يكون النزاع مهمًا فقط عندما يكون هناك لاجئون يأتون إلى بلادنا، لأن الأزمة حينذاك ستؤثر علينا [1]، حيث تنشأ ردة الفعل المفرطة؛ بمجرد مواجهتنا الصراع بشكل مباشر.

سيكون من السذاجة الاعتقاد بأن هذا الضجر قد ظهر مؤخرًا، يمكن القول إننا لم نكن مهتمين حتى في البداية. ففي عام 2013 كتب ريشارد ستيرنس، رئيس مؤسسة (World Vision) الأميركية (بعد سنتين من اندلاع الثورة): “لقد أصبحنا مرهقين مما نشاهده” [2]. بعد كل هذا، كيف بدأ اليأس من الصراع قبل أن يصبح غير ملائم؟ إن الإعلام يُقدّم وجهة نظر، حيث لا يمكن بسهولة معرفة من هو الضحية أو المعتدي في الصراع، وخصوصًا إذا نظرنا إلى حالة الشرق الأوسط قبل الصراع [الثورة السورية] إبان غزو العراق، حيث غالبًا ما تنظر الدول الغربية إلى هذا الموضوع (الصراع) على أنه استمرار للاضطراب، وتتوقع اندلاع “حرب” في أي وقت. لا يبدو هذا التناقض مفهومًا، وكأن حالة الصراع أصبحت حقيقة اعتادتها شعوب الشرق الأوسط، ونقنع أنفسنا بأن عليهم أن يبنوا شيئًا أكثر ثباتًا، كما فعلنا نحن.

نُقنع أنفسنا بأنه لا يمكننا تحمّل تبعات سورية، في وقت تضج الأخبار فيه عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أو ما يُعرف بـ (بريكزيت) ولكننا في هذه الحالة (موضوع بركزيت) نتمسك بمتابعة أخبارها باهتمام، لأنها تؤثر علينا وعلى مستقبلنا. لمَ لا؟ وهناك العديد منا يتسائلون: ماذا سوف يحدث عندما تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟ ولأنها تؤثر فينا نتكاسل ونتابع فقط ما يجري. بينما في الحالة السورية، نتابع المشهد كالتالي: الأزمة السورية هي حالة معقدة تحتاج من المشاهد إلى الابتعاد عن الاهتمامات الشخصية أو أي تأثيرات حياتية، وهي توجب على المتابع لها الابتعاد عن الصورة النمطية التي اعتدناها في الغرب، في متابعة موضوع مفهوم بالنسبة إلينا، كما توجب جهدًا قليلًا في فهم المسألة والتعامل معها بسرعة، لكن، لا يوجد حل سريع للأزمة في سورية، ولن يكون هناك حل سريع، لتركة الوحشية التي خلفتها الحرب حتى هذه اللحظة.

بعد خمس سنوات من مقالة (ستيرنس) أي في عام 2018، شرح جوناثان فريلاند، في مقالة الرأي في صحيفة الغارديان، السبب وارء عدم مبالاتنا بالأزمة السورية [3]. فالتغطية الإعلامية الصاخبة لترامب، وكذلك ضجيج أخبار (بركزيت) لا تُقارن بالتغطية الباهتة لحمّام الدم في الغوطة. فلا يهم كم عدد الأطفال المذبوحين، أو عدد المستشفيات المستهدفة بالقنابل، حتى مصطلح (الأسلحة الكيمياوية) أصبح مُملًا ومضجرًا، فالأساس ما هو اعتدناه. إنني أجرؤ على القول إننا غير مرتاحين حتى إلى قراءة تلك الأخبار، وعلى الرغم من أن ترداد صداها، بالنسبة إلى كثيرين، منطقي لأنها حقيقة، فإن هذا لا يعني أننا لا نهتم، لأن التنافر المعرفي يختلف نوعًا ما، ولكي تستمر الحياة، نحتاج إلى معرفة نوع المقادير المعينة على ماذا نتغذى، أو أننا لن نستطيع العيش، ولكن في أي نقطة يدخل هذا المشروع، إلى الواقع أم إلى خارج الواقع؟

ولكن إذا كانت هذه الأزمة على حدودنا، أو كنا نستطيع التحدث بلغة هؤلاء الناس، ونعيش ثقافتهم ونعايش حياتهم، فهل سنشعر بالاختلاف عنهم؟ بالتأكيد سيكون كذلك.

تم تأكيد هذا النقد من طرف (سي إن إن) [4]، من خلال تسليط الضوء على المعنى الحقيقي وراء إعلان الأمم المتحدة: “لا توجد كلمات ستصف الأطفال الذين قُتلوا، أو تصف أمهاتهم أو آبائهم، أو الذين أحبوهم في الغوطة”. المعضلة الأساسية هي، بغض النظر عن اللغة التي حررت، هي الضعف في ردة فعلنا تجاه الأزمة، وهي أننا لم نُصدم بهول المجزرة، لم نعد نُصدم لاستخدام الأسلحة الكيمياوية، لم نعد نُصدم برؤية أجساد الأطفال تطفو على سواحل اليونان، ولم نعد نُصدم بالغبار والدم الذي يغطي الأطفال وهم في مقطورة سيارة الإسعاف، وكذلك لم نعد نُصدم بأننا لم نعد نُصدم. إن تسليط (سي إن إن) الضوء على هذا البيان هو حالة مثيرة للشفقة، عندما تكتب الأمم المتحدة لا شيء عن أي شيء، فهي ترى أن جذب الانتباه هو السبيل الوحيد. لم نعد نتفاجأ إذا كان هناك أسلحة كيمياوية أخرى، لأن الأمر بصراحة، بالنسبة إلى الذين من هم في الخارج، لا يعني شيئًا. ماذا يعني ذلك؟ عنوان آخر، قصة إعلامية أخرى، قضية أخرى لا يمكن أن نربطها مع بعضها.

في وقتٍ يبدو أن جوهر هذه المقالة هو هجوم لا لبس فيه على الشخص المسترخي، فإنها لا تعني أن تكون على هذا النحو. هدفي هنا هو توضيح ما لا نستطيع التعبير عنه في الكلام، التجاور الغريب الذي نجد أنفسنا فيه هو أننا لا نهتم بالقواعد الإنسانية التي ندّعيها، في الواقع إن أنفسنا منقسمة إلى قسمين: نحن غارقون في الأزمة من منظور التفسير بشكل واقعي، وإذا كنا نهتم، ماذا يمكن أن نفعل؟

إذًا، ماذا سيحصل لنا إن لم نُصدم؟! ما هي الآثار التي تنتج عن ذلك؟ إذا لم نقرأ العنوان الأخير حول قصف الغوطة الشرقية، ماذا يكون الموضوع؟ الحرب ما زالت مستعرة، وما زال الأطفال يُذبحون، وما زال المهاجرون يُخاطرون بحياتهم لعبور المتوسط، وليس هناك ما نقوم به، ولكن ليست قلة مشاركتنا هي وحدها المعضلة، الأهم من ذلك هو موضوع التمويل، ففي عام 2017 في مؤتمر بروكسل لدعم مستقبل سورية والمنطقة، كانت الأمم المتحدة قلقة للغاية من انخفاض معدلات التمويل الحالية للاستجابة لمساعدة ملايين اللاجئين السوريين والمجتمعات المضيفة لهم [5].

الاستراتيجية الإقليمية الأولية، أو الخطة الإقليمية للاجئين والتكيف معهم، تجمع بين الخطط التي تم تطويرها برعاية السلطات المحلية، لكل من مصر والعراق والأردن ولبنان وتركيا، لضمان الحماية والمساعدة الإنسانية وتعزيز التكيف. تستضيف هذه الدول مجتمعة أكثر من 5 ملايين لاجئ سوري، بحسب مكتب الأمم المتحدة للشوؤن الإنسانية في خطة الاستجابة الإنسانية السورية لعام 2018، وقد لوحظ أن جميع الأموال المتبرع يها غير كافية لتغطية التكاليف والاحتياجات [6]. وقد لاحظ المكتب الإقليمي للأمم المتحدة أن أكثر من 1.5 مليون لاجئ سوري في لبنان يعانون من جراء هذه المشكلة [خفض التمويل]، بالإضافة إلى مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينين. هناك تأثير إنساني واجتماعي واقتصادي وسياسي على لبنان وعلى شعبه. الضغط يجري في كل جانب من جوانب المجتمع اللبناني، لتوفير الموارد التي يحتاج إليها مواطنوها وكذلك اللاجئون، وشهد لبنان زيادة في معدلات الفقر مع بداية الأزمة، ويعيش حاليًا 76 بالمئة من اللاجئين في لبنان تحت خط الفقر [7].

لكننا في الحقيقة لا نرى أن الأمر يحتاج إلى اهتمام عاجل، لأنه في الواقع بعيد جدًا، ولا نعتقد أنها مشكلة لأنها موجودة في تلك البلدان. خذ مثلًا بعض تلك البلدان التي تلعب دورًا أساسيًا كمضيفين في الأزمة: مصر والعراق ولبنان. الجزء الأساسي من تناقضنا هو أننا نرى أن هذه البلدان أقلّ تطورًا منا. إنها قادرة على تحمّل ذلك، فما معنى استقبال لبنان لعدد من الناس، وهو بلد 30 بالمئة من سكانه من اللاجئين، كما أنه أعلى بلد نسبة من حيث استقبال اللاجئين في العالم؟ أو ماذا يعني استقبال العراق لبضعة آلاف من الناس، الذي يُشكّل هويته الخاصة الجديدة خلال عقود شهدها العنف في البلاد.

نحن على ما يرام، لأننا خارج محيط سورية، نحن متحضرون ومستقرون. إن أي موجة من اللاجئين لن تؤثر في مجتمعاتنا الراسخة، لأننا حساسون للغاية تجاه التعامل مع اضطرابات كهذه. من ناحية أخرى، لا يمكننا أن نُعوّض ذلك في تقديم المعونة، نحن أيضًا لدينا الكثير من المشاكل في بلادنا التي لا تحظى بتمويل كاف. أليس هذا ما نقوله لأنفسنا؟! ببساطة إن هذا ليس كافيًا بالنسبة إلى الشعب السوري الذي اختبر الصراع وعاناه، هم لا يملكون خيارات، نحن بحاجة إلى اتخاذ قرار بأن نكون على علم، لأننا نملك القدرة على الفعل في الجوهر. بمعنى آخر: الحرية والاختيار بعيدان عن الملايين من السوريين، وهم لم يعودوا يملكون الخيار للنزوح الجماعي، ولا يملكون الخيار في القتل الجماعي. إننا نتمتع بموقف هو أننا نملك خيارات، على الرغم من أنها تبدو عاطفية، يجب أن ندفع كفاية لأن نجد سببًا منطقيًا من أجل مناصرة الإنسانية. من واجبنا البقاء على معرفة، ومن واجبنا أن نُظهر تراثنا للذين هم وسط الأزمة. يجب أن نُظهر أن واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في عصرنا هي أكثر من مجرد سلسلة من العناوين الرئيسية في الصحف، وأن نتصرف على أساس قدرتنا الجوهرية أكثر من الشفقة والتعاطف.

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

منار الشوربجي تكتب: السوابق التاريخية في عهد ترامب

منار الشوربجي سيتوقف التاريخ طويلاً أمام ممارسة ترامب غير التقليدية لمهام منصبه. ...