الرئيسية / مقالات / رشيد الحاج صالح يكتب: اللامبالاة بالسياسة.. من يدفع الثمن؟

رشيد الحاج صالح يكتب: اللامبالاة بالسياسة.. من يدفع الثمن؟

الرابط المختصر:

رشيد الحاج صالح

يلاحظ المراقب للوضع العام للسوريين في العامين السابقين، تنامي ظاهرة بدأت تأخذ طريقها إلى لا وعي الناس، ونقصد بها ظاهرة اللامبالاة بالوضع السياسي الراهن، وغياب السياسة ومشاغلها عن مجال تفكير السوريين، ولا سيما من وقفوا مع الثورة، ونزلوا إلى الساحات والمدارس والجوامع والشوارع في سورية، ينددون بجرائم النظام وفساده ولا وطنيته، ويطالبون بالحريات العامة والعدالة المفقودة.

فعلى الرغم من أن الثورة أعادت السوري للسياسة وأعادت السياسة للسوري، حيث تفاجأ النظام بأن 40 سنة من غسيل الدماغ، عبر التلفزيون والراديو والجرائد والمناهج الدراسية والمنظمات التابعة لحزب البعث، لم تُنسِ السوريين السياسة وأحلامهم بالحرية، أقول على الرغم من تلك العودة المحمودة للتفكير في المجال السياسي، كحق لكل سوري، فإننا نشهد اليوم عودة السوري للعزوف عن السياسة ومشاغلها مرة أخرى، يرافق ذلك تضخم في الاهتمام بمشاغله الشخصية في المجتمع الذي يعيش فيه.

بقي النظام الأسدي طوال عقود يزرع في ذهن السوريين الخوف من السياسة، حتى بات الغالبية يؤمنون بفكرة أن الابتعاد عن السياسة أمرٌ يجلب لهم السلامة، في حين أن القرب من السياسة ليس إلا لعبًا بالنار، هكذا سرت بين الناس أقوال ومآثر تؤكد توجهات النظام في إبعاد الناس عن السياسة.

ولأربعين سنة خلت، أو يزيد، تحولت السياسة إلى طريقة لتدجين المجتمع، ومجال لجلب مزيد من الطاعة والخضوع والدروشة السياسية. وشبَّ السوريون الشباب على أقوال من قبيل: (السياسة هي فن الكذب)، (اللي ما يخاف من الله خاف منّو)، (اللي يأخذ أمي يصير عمّي)، (فخار يكسّر بعضو)، (العين ما تقاوم المخرز).

سيتناول المقال أسباب تنامي شعور عدد كبير من السوريين باللاجدوى من التفكير بالسياسة، وكيف يمكن التعامل مع هذه الظاهرة؟

أخذ عدد لا بأس به من السوريين يردد، في الآونة الأخيرة، أقوالًا ومناقشات تفيد أن النظام العالمي والمجتمع الدولي وشبكة المصالح العالمية لا تقف مع الثورة ومطالبها، خاصة بعد التعقيدات التي شهدتها من جراء دخول الكتائب الإسلامية المسلحة على الخط. بل إن وجود نظامٍ يخدم مصالح القوى العالمية، على حساب مصالح شعبه وحرياته، أمرٌ يلقى القبول والتسهيل لدى تلك القوى. وهذا يعني في النهاية أن أي إمكانية لتغيير الأوضاع أو التأثير فيها أمرٌ غير واقعي، ولذلك لماذا “أدوخ” رأسي بالسياسة ومناقشات لا تفضي إلى أي نتيجة ملموسة.

طبعًا، مثل هذا الكلام صحيح بنسبة كبيرة، وواقع الحال يشير إلى مثل ذلك التواطؤ، غير أن ما هو صحيح أيضًا أن النظام السوري وصل إلى مستوى قياسي في التدني على صعيد السيادة، وتدخل القوى الداعمة له حتى في أدق تفاصيل الحياة السياسية، وهذا يعني في الحسابات السياسية أن الاستغناء عن الطرف الأضعف عادة ما يكون النهاية الطبيعية لأي تسوية سياسية، لا سيّما أن القوى الداعمة للنظام تسرب مثل تلك الأخبار والمواقف التي تبرز ضعف وقلة حيلة بشار الأسد شخصيًا (والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها الصور التي سربتها روسيا وتظهر إيقاف ضابط روسي لبشار الأسد وسحبه إلى الخلف، عندما كان بوتين في زيارة لقاعدة حميميم، يضاف إليها تصريحات حسن نصر الله حول حتمية سقوط النظام السوري، لولا تدخله في سورية).

يوجد العشرات من الأنظمة والطغاة الذين تم الاستغناء عنهم، بل قتلهم بطريقة مهينة، عندما يستنفدوا أسباب وجودهم، من قبل داعميهم أنفسهم، والتاريخ يذكر لنا حالات كثيرة. إحدى قواعد التاريخ السياسي تقول “الرجل المريض” يُقتل بعد أن يتقاسم الجميع ممتلكاته، وهذا يعني أن مصدر قوة بشار الأسد هو في نفس الوقت مصدر ضعفه وقلقه الأبدي.

بين القوى التي تتدخل في سورية صراعات مصالح تصل إلى حد التناقض، اقتصاديًا وسياسيًا وأيديولوجيًا، وهذا يعني أن لا أحد يستطيع أن يعرف ماذا سيحصل بالضبط في قادم الأيام. وبالتالي هناك فرق كبير بين القول بأن كل شيء بيد القوى الكبرى، والقول بأن لا شيء واضحًا في الأفق. فهل سنشهد توترًا أميركيًا روسيًا في سورية؟ لا سيّما أن أميركا قتلت جنودًا للروس أكثر من مرة على الأرض السورية، أم سيكون هناك صراع روسي إيراني؟ على اعتبار أن كلا الطرفين يعتبر نفسه صاحب الفضل الأول في بقاء بشار الأسد في السلطة، وبالتالي يعتبر نفسه “أم الولد” وصاحب الحضانة الكاملة. أم أننا سنشهد تزايد الصراع الإسرائيلي الإيراني؟ خاصة أن “إسرائيل” لن تقبل بإيران كطرف شبه حاكم في سورية، وإذا كان لـ “إسرائيل” ما تريده؛ فهل ستقبل إيران، التي تحركها أحلام إمبراطورية وهاجس السيطرة على سورية والعراق واليمن ولبنان، والخليج أيضًا، هل ستقبل بالخروج من المولد بلا حمّص؟

مثل هذه الصراعات والتجاذبات وتضارب المصالح يجعل للسوريين دورًا أكبر في مستقبلهم، ولكن عليهم أن يُدخِلوا مصالحهم إلى دائرة الخيارات المحتملة، وأن يطوروا تلك المصالح، بحيث تتقاطع مع أكبر قدر ممكن من مصالح القوى الكبرى.

لا بدّ أن يبقى الوعي بالواقع السوري المعقد واحتمالاته المستقبلية الشغل الشاغل لكل سوري، كشكل من أشكال التأثير في ذلك الواقع، أما الاستسلام للامبالاة السياسية، بسبب الإحباط الناتج عن طول انتظار لحظة سقوط بشار الأسد، وعدم توقعها في الأفق القريب، فهو أمرٌ له سلبياته، ويدل على عدم تمرس السوري بالسياسة. فالسياسة تنطلق من مبدأ الفعل والاستمرار فيه للتأثير في الحياة ومساراتها، وهذا مبدأ عام في الحياة، فالطالب حين يرسب ليس أمامه سوى الدراسة حتى ينجح في الامتحان القادم، والعاطل عن العمل لا يمكنه التوقف عن البحث عن عمل، لمجرد أنه لم يتمكن من الحصول على عمل عند مراجعته عدة شركات، حتى الخاسرون في الانتخابات في الدول الديمقراطية لا يكفون عن الترشح مرات ومرات، حتى يحصلوا على النجاح.

يعرف الجميع أن إخراج السياسة من دائرة الاهتمام العام، أو تحويلها إلى مجرد بروباغندا وشعارات تمجّد النظام، أمرٌ كان في غاية الأهمية بالنسبة إلى النظام ويحقق مردودية عالية، وإذا افترضنا أن عدد السوريين 23 مليونًا، بينما عدد المهتمين بالسياسة والقضايا العامة مليون واحد فقط؛ فهذا يعني أن النظام سيتعامل مع مليون واحد فقط، لأنه نجح في إخراج الباقين من دائرة السياسة والفاعلية العامة، عن طريق غسل أدمغتهم وتحويلهم إلى موالين، يعتبرون السياسة مجرد ولاء للأقوى أو سمسرة أو طاعة للزعيم، أو هي الإخلاص للشعارات القومية والوطنية، وإن كان القائمون على تطبيق هذه العشارات مجرد لصوص وطغاة وفاسدين حتى النخاع. وهذا يعني أن الاستسلام للامبالاة السياسية أمرٌ يصبّ في النهاية في الأهداف التي يريد النظام الوصول إليها، وهنا نصل إلى النتيجة الحرجة التي لا بدّ من مواجهتها بمسؤولية، وهي أن لا فرق بين اللامبالي والمؤيد، حيث إنهم في منزلة واحدة بالنسبة إلى النظام، وبالنسبة إلى الثورة السورية أيضًا.

السلوك غير المسؤول وترك السياسة هو أشبه بالخيانة لتضحيات السوريين، وهو تخلٍّ عن قيم الحرية والحق والعدالة التي أشعلت الثورة. هذه القيم التي دافعت عنها كل شعوب هذا الكوكب، ودفعت من أجلها ثمنًا لا يقل عن الثمن الذي قدمه السوريون. لا شك في أن أكثر الرابحين من ارتفاع نسبة السوريين السلبيين غير المهتمين بالسياسة هو النظام الأسدي نفسه، الذي سيرتاح عندما يترك المجال السياسي لثلة من المجرمين والمرتزقة.

قد يقول قائل: ولكن هل فعلًا اهتمام السوريين بالسياسة وفاعليتهم هو الذي سيُسقط نظام الأسد؟ الجواب: على المدى الطويل، نعم. لو لم يهتم السوريون بالسياسة، بوصفها المجال الذي سيجلب لهم الحرية ويحقق طموحاتهم بالحياة الحرة والكريمة؛ لما قامت الثورة أصلًا. ولو استطاع النظام الأسدي قتل السياسة في وجدان السوريين خلال الأربعين سنة الماضية؛ لما قامت الثورة أصلًا. ولا يوجد اليوم ما يؤرق بشار الأسد سوى بروز بدائل شعبية عنه، تسهّل على داعميه رميه في مزابل التاريخ.

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

غسان شربل يكتب: الصراع على العراق

غسان شربل توجس ضيف دائم في العلاقات العراقية – الإيرانية. ومع التوجس ...