الرئيسية / مقالات / رشا الأطرش تكتب: لاجىء.. ويحب “حزب الله”

رشا الأطرش تكتب: لاجىء.. ويحب “حزب الله”

الرابط المختصر:

رشا الاطرش

غم أنها لم تعد جديدة أو حتى مُفاجئة، فإن الأخبار عن مُوالِي نظام بشار الأسد وحلفائه، كلاجئين في أوروبا، المجاهرين بموالاتهم والمتكتمين عليها، والذين سرعان ما يتكشف ماضي الكثير منهم كمرتكبي انتهاكات إنسانية وجرائم حرب، ما زالت تلك الأخبار تثير الغضب والاستهجان، وعن حق.

فالفيديو الأخير لمقاتل سابق في قوات النظام، رافعاً علم “حزب الله” في مطار النمسا التي تُصنّف الحزب إرهابياً، ثم مطالباً بمساعدة الحزب في توكيل محامٍ له لمجابهة احتمال ترحيله من بلد اللجوء، نجح في إيقاظ ردود الأفعال نفسها. غضب، استفزاز، حيرة أمام وقاحة فجّة، وسؤال بسيط ومعقّد في آن واحد: لماذا يترك هؤلاء أرض مَن يناصرون ويحبون، ليصبحوا وعائلاتهم لاجئين في أوروبا؟ وإن كانوا يحبونهم لدرجة تحدي قوانين البلاد التي لجأوا إليها، فلماذا ترعبهم فكرة الترحيل، ويتسولون الدعم من أجل البقاء؟

والحال إن أخبار التحقيق مع لاجئين سوريين في أنحاء أوروبا، ممن يُشتبه في ارتكابهم جرائم حرب، أكانوا من مؤيدي الأسد أو معارضيه، إضافة إلى محاكمتهم وسحب حقهم في اللجوء أو ترحيلهم، صارت الآن تتواتر بالمفرّق، وإن لم تصل كلها إلى خواتيمها القانونية. لكن السيستم الإداري والأمني والقضائي الأوروبي، هضم الخضة الأولى التي قامت بها الصحافة ومنصات الناشطين بكثافة، خلال العامين 2015 و2016، تزامناً مع بلوغ تدفق اللاجئين ذروته المليونية. ففي تلك الفترة، وفيما كان الخوف السائد، لا سيما ما استثمر فيه الخطاب اليميني/الشعبوي الصاعد، من تسرّب “داعشيين” أو إسلاميين جهاديين إلى أوروبا، ثابر ناشطون وإعلاميون على تحويل الضوء إلى نحو 2000 شخص من شبيحة النظام السوري والمقاتلين ضمن قواته أو المليشيات الحليفة، والذين وُثّقت أسماؤهم وسيرهم الذاتية التي غالباً ما تضمنت صوراً أو فيديوهات تؤكد ارتكابهم جرائم حرب، سواء في ساحات المجازر أو في أقبية التعذيب. وذهب البعض إلى حد التحذير من هؤلاء كخطر على أوروبا، أكبر من “داعش” والجهاديين المفترض تسربهم إلى القارة العجوز. ذلك أن الأخيرين مُعلَنين كأعداء، وبالتالي هم مرئيون، ومن الأصعب بمراحل أن تسنح لهم فرصة تهديد الأمن. في حين أن شبيحة الأسد وجلاديه متخفّون، هم غالباً بهيئات لا تختلف عن نمط المارة في الشوارع، يشربون الكحول، يخالطون النساء ويحضرون الحفلات، ويتغزلون بالدولة وأماناتها. وفوق ذلك كله، فقد سبق لبشار الأسد أن هدد أوروبا في أمنها واستقرارها، وهؤلاء بالطبع بيادقه، بحسب الصحافة الغربية التي كشفت هذا الملف. واليوم، يصب قلق أوروبيين وسوريين مستحقي اللجوء، من وجود هؤلاء بينهم، في خانة التخوف من تقويض العدالة الدولية، أكثر من الحذر الأمني وإجراءات مكافحة الإرهاب، وإن لم تنتفِ الأخيرة بالكامل.

ولعل الأمر بات يستدعي ملاحظات إضافية. تتمثل الأولى في قدرة الأنظمة الأكثر تخلفاً وقمعاً على طرح معضلات ذات طابع أخلاقي وإنساني وعدلي،ّ على الأنظمة الأكثر تقدماً ديموقراطياً أو ليبرالياً. في حين أن العكس، بالطبع، ليس صحيحاً. والحال، إن اللوائح السوداء التي سعى صحافيون وناشطون إلى تعميمها، وإن دعّموها بالصور والوثائق، قد لا تكفي لاتخاذ قرارات جذرية في حق اللاجئين من مجرمي الحرب السورية. إذ تتطلب المنظومة القضائية الأوروبية قرائن إضافية، لا سيما شهادات شهود سوريين يصعب إيجادهم. وإن وُجد هؤلاء الشهود، يصعب إقناعهم بالتعاون والشهادة. وذلك لمحض وجود اللاجئين الشبيحة في البلد نفسه، حيث يضطلع بعض الموالين بالتجسس على اللاجئين المعارضين وكتابة التقارير بشأنهم. وما زال للعديد من المعارضين اللاجئين ما يخشون عليه في الوطن الأم، لا سيما عائلاتهم وأصدقاؤهم، وربما ما تبقى من بيوتهم وممتلكاتهم.

وحين نعلم أن الكثير من اللاجئين الشبيحة، هم من أصحاب السوابق في سوريا، محكوم عليهم بسنوات طويلة، لكن عملهم مع النظام خفف عنهم العقوبات، وهرب بعضهم إلى أوروبا بعد إطلاق سراحه، لا نعود نستغرب محاولات التفاف ومراوغة يمارسها هؤلاء للاحتفاظ بحق اللجوء ومنتفعاته. وذلك من قبيل استخدام الشبيحة أنفسهم حجة الهرب من “ضغط النظام وابتزازه”، إلى جانب الدفع بكذبة الانشقاق عنه، أو التوبة، أو الفرار من هجمات “إرهابيين إسلاميين” على قراهم وبلداتهم. والحقيقة، غالباً، أنهم يسعون إلى حياة أفضل في أوروبا، لهم ولعائلاتهم، بالمقاييس كافة. وهم الذين يعرفون، أكثر من غيرهم، معنى “سوريا الأسد” حاضراً ومستقبلاً. وإذا كان “الخونة” يستفيدون من تقديمات اللجوء وفرصه، فلماذا يتركون لهم اللقمة سائغة بكاملها؟ ولماذا يتحملون الأوزار الاقتصادية والاجتماعية لحربهم، إن كان في استطاعتهم تلافيها، وفي الوقت نفسه، البقاء في “حضن الوطن” من بُعد؟ خصوصاً أن بينهم كثر ممن يملكون القدرة المالية التي تعفيهم مغبات اللجوء وصعوبات مراحله الأولى. وأكثر من ذلك، يتترّس بعضهم بالموقف السياسي “المعتدل الوسطي”، بين النظام والثورة عليه، وهذا ما يلقى ارتياحاً في العديد من الأوساط الأوروبية حيث تتداخل الإسلاموفوبيا بالقيم المناهضة للاستبداد.

أما لدى مجاهرة مَن لا يثبت تورطه في الحرب، بموالاة نظام الأسد أو “حزب الله”، فهنا ندخل في الجدلية البيزنطية لحرية الرأي والتعبير والمعتقد، وهو ما تتيحه الديموقراطيات، وأحياناً تساهم في جعله سيفاً مسلطاً على رقبتها بأثر من طبيعتها وآلياتها نفسها. ففي مقابل من يحصي جرائم النظام والحزب في سوريا (سواء صُنّفا إرهابيَين رسمياً أم لا)، يخرج من يدفع بنظرية مكافحة الإرهاب، أو القبض على جمر العلمانية وحماية الأقليات، أو التصدي للمؤامرة على المنطقة و”المقاومين” فيها. وقد يبلغ من الصلافة مبلغ المقارنة مع القضية الفلسطينية وإسرائيل (مَن الإرهابي في هذا الصراع؟ ومَن المقاوِم؟ ومَن يصنّف)، ليتم تمييع الجريمة في متاهات وجهات النظر، واليمين واليسار و”الصواب السياسي”. بل يصبح مُناصرُ الطاغية والمجرم، هو الأكثر تمسكاً بحرية التعبير.. التي ما كان يملك من تلابيبها شيئاً تحت حكم قادته المحبوبين!

ليس كل ما سبق للقول بأن أوروبا، كمجتمعات ونخبة حكم وأمن وسياسة وثقافة، ضحية بريئة لديموقراطياتها متعددة الأشكال والتطبيقات، ولا هو القول أيضاً بأن النظام السوري وحلفاءه كليّا القدرة وناجحان دائماً. فأوروبا ليست عاجزة عن صدّ الأخطار، ديموقراطياتها ليست مصفّاة من الشوائب، والشبيحة ليسوا فائقي الذكاء والحِيل. لكن الحكايات التي تتكشف بين الفينة والأخرى، لا تنفك تضع الضحايا الفعليين للأسد وداعميه، ضحايا حمل الجنسية السورية والإيمان بالحق في الحد الأدنى من العيش الحر والكريم، في زاوية مخيفة. زاوية تخيّم عليها تهديدات متنوعة، من تأثير اللاجئين الشبيحة في إجراءات قبول اللجوء لمستحقيه، إلى التقارير التي يرسلونها إلى “الوطن”، وصولاً إلى ذبول الأمل في تحصيل العدالة الدولية والمحاسبة الفعلية لمن تسببوا في معاناتهم. ومن هنا الدهشة التي لا تذوي، أمام كل فيديو من نوع ما بثه أخيراً عاشق العَلَم الأصفر.

المصدر: المدن

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...