الرئيسية / مقالات / الحسين الزاوي يكتب: أزمة دولة الرعاية في أوروبا

الحسين الزاوي يكتب: أزمة دولة الرعاية في أوروبا

الرابط المختصر:

الحسين الزاوي

تبرُز خلف الأحداث الكبرى التي تشهدها القارة الأوروبية، قراءات وتأويلات عديدة للمشهد العام في القارة العجوز، يتصل بعضها بمعايير موضوعية بينما يخضع بعضها الآخر لإسقاطات ذات علاقة برغبات المعجبين والمعترضين على نموذج الدولة والمجتمع في أوروبا، الذي تؤثر تحولاته وتطوراته المتلاحقة بشكل لافت على الوضع الدولي برمته. إذ إنه بالنسبة لكل المهتمين بشؤون المجتمعات المعاصرة، فإن الجزء الأكبر من القيم السياسية ومن أسلوب بناء الدول وتسيير أنظمة الحكم يعتمد على مقابلة كل النماذج السائدة في العالم بالنموذج الأوروبي، الذي وضَع، منذ القرن التاسع عشر، القواعد العامة للدولة القومية الحديثة، التي تعيش الآن أصعب فترات تاريخها المعاصر، حيث بدأت تتعالى الأصوات المطالبة بإصلاح النموذج قبل أن يصل إلى مرحلة الانهيار الكامل.
لا ريب أن الأحداث تلعب دوراً خطيراً في خلخلة المسلّمات وفي إعادة النظر في قناعاتنا بشأن العديد من القضايا التي تبدو بديهية في حالة السكينة السياسية والسلم المجتمعي، وتذكرنا على سبيل المثال لا الحصر، أن هناك زوايا نظر متعددة للكثير من المفاهيم المتداولة وعلى رأسها مفهوم الدولة، فالجغرافي يحدّد الدولة على أنها إقليم قائم على خرائط وإحداثيات، ويحددها عالم الاجتماع اعتماداً على التمييز بين الحكام والمحكومين، وينظر إليها المؤرخ على أنها المجال الذي يتجسّد فيه كيان الأمة، ويرى فيها رجل القانون نسقاً مساوياً لمنظومة المعايير التي يؤمن بها، ويتعامل معها الفيلسوف على أنها الجوهر الأخلاقي الذي يعي ذاته بذاته وفق الرؤية «الهيجلية»، وتختلف نظرة رجل الاقتصاد لها بحسب المدرسة التي ينتمي إليها، فهي تمثل بالنسبة للبعض سلطة التخطيط العليا وتمثل بالنسبة للبعض الآخر وهماً يسعى من خلاله الجميع لأن يعيش على حساب الجميع، بل إن التناقضات بشأن هذا المفهوم لا تقف عند هذا الحد بالنسبة لجورج بوردو، فالشعراء لهم أيضاً وجهات نظرهم السلبية والإيجابية المختلفة بشأن الموضوع ذاته.
تشهد هذه الدولة التي اجتهد في التأسيس لقواعدها ولآليات اشتغالها عظماء الفكر الأوروبي الحديث والمعاصر، أزمة غير مسبوقة ولا سيما على مستوى نسختها الراهنة المتعلقة بدولة الرعاية، من الشمال في المناطق الإسكندنافية إلى الجنوب في إيطاليا وفرنسا، فقد عرفت السويد في شهر أيلول/سبتمبر الماضي تراجعاً للتيار الديمقراطي الاجتماعي المدافع عن دولة الرعاية الاجتماعية لصالح اليمين الشعبوي المعارض لسياسات الحكومة المتعلقة بالهجرة، والشيء نفسه نُلفيه في باقي دول المنطقة التي تشهد تراجعاً للتقاليد التي أرساها المدافعون عن دولة الرعاية منذ الخمسينات من القرن الماضي، وفي مقابل ذلك تعرف دول الجنوب وفي طليعتها إيطاليا وفرنسا، دفاعاً شعبياً مستميتاً عن المكتسبات الاجتماعية لدولة الرعاية، في ظل أوضاع اقتصادية مأساوية ناجمة عن تراجع الموارد المالية للدولة.
يشير الخبير الفرنسي دنيس أوليفيان في مقال له بإحدى الجرائد الفرنسية إلى أن أزمة فرنسا ليست متعلقة بالفقر وإنما هي أزمة الطبقة المتوسطة التي بدأت تشعر مع مرور الوقت بأن قدرتها الشرائية تتراجع بشكل مستمر، ومن ثم فإن الأزمة الراهنة هي أزمة نموذج الرعاية السائد وليست أزمة ناجمة عن غياب للرعاية، حيث تحتل فرنسا المرتبة الثانية بعد لوكسمبورج فيما يتعلق بمستوى المعيشة في دول الاتحاد الأوروبي، كما أن فرنسا هي الدولة الأكثر مساواتية من بين كل الدول المصنعة الكبرى، وتصنف ضمن الثلث الأول من دول الاتحاد التي تعرف ضعفاً في الفوارق ما بين الأغنياء والفقراء، ومع ذلك فالشعب الفرنسي يعتبر من بين أكثر شعوب الدول المتطورة تشاؤماً ومن أكثرها شعوراً بالتعاسة، وتكمن المفارقة الكبرى كما يقول البعض، في أن المواطن الفرنسي ليس لديه اعتراض في أن يصبح غنياً ولكنه لا يحب الأغنياء.
يذهب الفيلسوف لوك فيري في السياق نفسه إلى أن هناك انفعالات سلبية في فرنسا والجمهورية بدأت تنفتح على الرياح التعيسة، فمع ضعف الدولة تعصف الرياح بالأغلبية الصامتة التي تمثلها الطبقة المتوسطة التي لا تملك تمثيلاً سياسياً، لأن اليسار يمثل الطبقة الكادحة واليمين يمثل في الغالب أصحاب الأعمال والاقتصاد، وبالتالي فإن الدولة عندما تفتقد للمصداقية وتصبح لا محبوبة ولا مكروهة، بدون طعم ولا لون، فإن ذلك يُسهم فجأة في انبثاق رغبة عارمة في العصيان المدني، وهناك، فضلاً على ذلك، أزمة قيادة سياسية في فرنسا وغياب كامل للشخصيات الكاريزمية من نموذج الجنرال ديجول، الذي مثلت وفاته مأساة للفرنسيين ودفعت بعضهم إلى القول إن فرنسا أصبحت أرملة.
ويمكن أن نخلص عطفاً على ما تقدم، إلى أن أزمة دولة الرعاية في أوروبا مرادفة إلى حد بعيد لأزمة الدولة والسلطة ونظام الحكم، في دول شهدت تحولات ثقافية واجتماعية كبرى منذ التسعينات من القرن الماضي مع انتشار العولمة، لكنها لم تتوصل في المقابل إلى إبداع نماذج ورؤى سياسية قادرة على التصدي لأزمات الهوية بأبعادها المتعددة التي فرضتها الأحداث العالمية في شتى المجالات وعلى مختلف المجتمعات.

المصدر: الخليج

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...