الرئيسية / مقالات / يحيى العريضي يكتب: أبيض وأسود السوريين

يحيى العريضي يكتب: أبيض وأسود السوريين

ارشيف
الرابط المختصر:

يحيى العريضي

ما مِن سوري يحترم نفسه يقبل، أو يتمنّى وجود قوة احتلال، أو يدٍ غير سورية على مساحة المائة والخمسة والثمانين ألف كيلومتر مربع السورية؛ لكن المفارقة الغريبة العجيبة أنه عندما أعلن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سحب بعض قواته وطائراته من سورية في وقت سابق، قامت دنيا جزء من السوريين، ولم تقعد؛ ووصفت بوتين خائناً للصداقة ومتخلياً عن حلفائه؛ وأن لا عهد له. وهلل جزء آخر لتصريح بوتين الذي لم يكن إلا مناورة جرت من خلالها تغيرات في أصناف الأسلحة التي كان بوتين يرغب بتجريبها في سورية.
تظهر دعوات وتصريحات وتهديدات بإخراج إيران ومليشياتها من سورية، فيهلل لها كثيرون؛ ولكن من جانب آخر يفتَح بعض السوريين أبواب جهنم، ويهاجمون كل مَن يطلق دعوةً كهذه، أو يفكر بإخراج القوات الإيرانية والمليشيات التابعة لها في “المقاومة والممانعة” من سورية.
جديد فصول الفضائحية السورية ولّدتها تغريدة أطلقها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تعبّر عن رغبته بسحب قواته من الشمال السوري. وهنا يرتفع الضجيج، ليس فقط سورياً، بل عالمياً أيضاً. على الضفاف السورية، رأى بعضهم في الفعلة الأميركية انتصاراً لمحور المقاومة والممانعة، وتألقاً للمشروع الروسي، وحتى النظام الذي لا حساب له في معادلات وجود القوى الدولية على الساحة السورية اعتُبر منتصراً على أميركا وإسرائيل. ورأى آخرون (قوات سورية الديمقراطية مثلاً) القرار الأميركي طعنة غدر وتخليا عن الحلفاء والأصدقاء.
يطلق وزير خارجية تركيا، جاووش أوغلو، تصريحاً في معرض إجابته عن سؤال عن سورية واللجنة الدستورية، والانتخابات؛ فيقول: “إذا نجح الأسد في انتخابات حرة وديمقراطية ونزيهة وشفافة وتحت رعاية الأمم المتحدة، فستفكر القوى الدولية بالتعامل معه”. وهنا أيضاً تُفتح أبواب جهنم. رأى سوريون خيانةً تركيةً للسوريين وللمعارضة في التصريح، وقرأ آخرون على الضفة الأخرى رضوخاً تركياً وتطبيعاً وتغزّلاً وطلباً للود من “الدولة السورية”.
أي وطن هذا الذي يتمسك بعض أهله بهذا الاحتلال أو ذاك، وبذلك التصريح، أو الموقف، أو ذاك؛ معتقدين أن ذاك الموقف وتلك القوة هي التي تبقيهم في السلطة وتهزم إخوتهم السوريين أو تقتلعهم وتبعثرهم في أربعة أصقاع الأرض؛ ومعتبرين أن النوع الآخر من الاحتلال، أو القوة، أو المواقف، أو التصاريح، جزء من المؤامرة والاستباحة لسيادة الوطن؟! أي وطن هذا الذي تجد فيه نسخة معاكسة تماماً للأولى؟!

الأغرب هو الاحتكام إلى ما يسميه النظام وموالوه وداعموه “الشرعية”، فالوجودان الإيراني والروسي والمليشيات التابعة لهما “شرعية”؛ وتأتي هذه الشرعية من دعوة نظام الأسد أولئك أو موافقته على وجودهم. وإذا ما تم البحث في وجود تلك القوات يتكشف أن النظام دعاهم لا لحماية الوطن والمواطن، بل لحماية النظام من المواطن في مقابل استباحة الوطن والسيطرة على موارده. الوجود الآخر بالنسبة للنظام “غير شرعي”، لا لشيء، بل فقط لأنه لم ينسّق مع النظام، أو لم يأخذ موافقته؛ فقد قالها وزير خارجيته يوماً: “من يريد أن يتدخل بسورية، لا بد أن ينسق معنا”.
هناك بعدٌ ثالث لهذا التقييم؛ فإضافة إلى هذا الانسجام والتوافق بين تقييم النظام وإيران وروسيا أنفسهم والآخر على الأرض السورية، هناك من لا يرى في هذا الثلاثي والجوقة وراءهم إلا منظومات إجرام وقهر وظلم واستبداد مولّدة للإرهاب، وكل أنواع الفبركات والذرائع للبقاء على كرسي الدم في سورية.
تشكل القطبية البشعة أعلاه الوصفة الأنجع للخراب الدائم. لقد بدأ ذلك بشعارات النظام المدمرة: “الأسد أو لا أحد” و”الأسد أو نحرق البلد”؛ وهو ما قاد إلى هذه القطبية العدمية. إحدى المشكلات المؤلمة في سورية تتمثل في أن عدد من هم خارج حالة الاستقطاب الثنائية هذه أضحى قليلا. مع ذلك، يستحيل أن تلغي جهةٌ الجهة الأخرى، ولو استمر ذلك لأجيال. والقرارات الدولية الخاصة بإيجاد حل في سورية بُنيت على هذا الأساس؛ ونص الحل بتصرف: “إيجاد جسد سياسي انتقالي، كامل الصلاحيات، قوامه من المعارضة والنظام ممن لم يرتكبوا جرائم؛ يهيئ لانتخابات وكتابة دستور ويعيد البلاد إلى سكة الحياة”. سارت الأمور حتى الآن كما يشتهي الفريق الرافض هذه المعادلة. ولم يأت الحل لسورية ولن يأتي، ولن يهنأ النظام والروس والإيرانيون بسير الأمور كما يشتهون؛ فهناك فريق الضفة المعاكسة، وهناك فريق داعم، وهناك الأمم المتحدة وقراراتها، وهناك ملفات الإجرام التي لا تنتهِي؛ وهناك الحق والمنطق. أمام ذلك كله، لا بد أن تكون النتيجة واضحة: هزيمة الفريق الأول، أو تسوية لا يمكن أن تبنى على مبدأ “الكل أو لا شيء” أو “الأسد أو لا أحد” أو “الأسد أو نحرق البلد”؛ فالبلد احترق؛ فلا يستطيع الأسد أن يبقى. هناك بالتأكيد الأمر المتخيل، والمتمثل بزلزال أو أي قوة ساحقة ماحقة تزيل الضفتين بفريقيهما؛ وتعيد سورية حرة ديمقراطية عفيّة إلى سكة الحياة.

المصدر: العربي الجديد

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...