الرئيسية / مقالات / محمد السعيد إدريس يكتب: مخطط ترامب بين سوريا والعراق

محمد السعيد إدريس يكتب: مخطط ترامب بين سوريا والعراق

الرابط المختصر:
د. محمد السعيد إدريس

تأسس قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، سحب قوات بلاده من سوريا، على مبررين؛ أولهما، انتهاء خطر تنظيم «داعش» الإرهابي الذي كان السبب الأساسي لدخول القوات الأمريكية إلى العراق، وثانيهما، توفير النفقات الهائلة التي تتكلفها الخزانة الأمريكية لوجود القوات الأمريكية خارج بلادها. كان يمكن القبول بهذين المبررين من دون تدقيق في تفنيد ضعفهما معاً، فقد سبق أن أكد الرئيس ترامب، وكبار القادة الأمريكيين من عسكريين وسياسيين، أن القوات الأمريكية باقية في العراق طالما استمر الوجود العسكري الإيراني، كما أن الخزانة الأمريكية لم تتكلف نفقات ما سُمي ب»الحرب على الإرهاب» وحدها، بل إن دولاً عربية تحملت الجزء الأكبر من تلك التكاليف، لكن الزيارة السرية التي قام بها ترامب تحت جنح الظلام يوم 26 ديسمبر/ كانون الأول الفائت دحضت كل مبرراته، ومن ثم أعادت جدية طرح السؤال: لماذا هذا الخروج الأمريكي المفاجئ من سوريا من دون الأخذ برأي القيادات العسكرية، ما أدى إلى أن يتقدم وزير الدفاع جيمس ماتيس باستقالته اعتراضاً على هذا الانسحاب؟
زيارة ترامب غير المعلنة للعراق التي تجاوز بها كل الأعراف الدبلوماسية، حيث لم تبلّغ بها القيادة السياسية في العراق إلا قبل ساعتين فقط، وما أحاط بهذه الزيارة من تفاعلات، تفرض مجدداً سؤالين: لماذا انسحب ترامب بقواته من سوريا، ولماذا يفعل العكس في العراق المجاور؟
الغريب أن ترامب لم يتردد في أن يقول، وهو محاط بجنرالاته في قاعدة «عين الأسد» الأمريكية بمحافظة الأنبار العراقية القريبة من الحدود مع سوريا، الحديث نفسه المفعم بالمعاناة عن التكاليف الباهظة لوجود القوات الأمريكية في سوريا، كمبرر للانسحاب من سوريا. أعاد ترامب، وفي قاعدة «عين الأسد» قوله إن الولايات المتحدة «لا تستطيع أن تبقى شرطي العالم.. إنه أمر غير عادل عندما يقع العبء علينا». يقول ذلك من دون أن يسأله أحد ولماذا إذاً، تصر على البقاء في العراق؟ ولماذا ستأتي بالقوات الأمريكية الموجودة في سوريا إلى العراق؟
كان ترامب سبق وأعلن أن القوات الأمريكية «في سوريا عائدة إلى الوطن»، لكن يبدو أنها عائدة إلى العراق. هنا تبدو المشكلة الحقيقية، أو المعضلة الأساسية في السياسة الأمريكية الراهنة. فالرئيس الأمريكي كشف أنه أعطى ما يمكن اعتباره توكيلاً للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ليكمل معركة الحرب ضد «داعش» في سوريا، ومحاربة الإرهاب، متجاهلاً أن الإرهاب بالنسبة إلى الرئيس التركي ليس تنظيم «داعش» وحده، بل بالأساس هو «وحدات حماية الشعب» التابعة ل «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية حليفة ترامب، والجيش الأمريكي.
انسحب ترامب من سوريا، ولم ينسحب، فهو يعتقد، بل هو على يقين بأن تفاهماته الجديدة مع الرئيس التركي ستكمل مهمة القوات الأمريكية، ضارباً عرض الحائط بكل ما يمكن أن يتفجر في شمال سوريا من صراعات، ليس بين الجيش السوري والأكراد فقط، ولكن أيضاً بين تركيا والعرب في ظل جنوح الرئيس التركي وأطماعه في شمال سوريا، لكن الأنكى هو ما يتعلق بالعراق الذي دخله من دون أي استئذان من قيادته السياسية لزيارة قواته بمناسبة أعياد الميلاد، بل إنه طلب من رئيس الحكومة العراقية عادل عبدالمهدي أن يأتي إليه ليقابله في تلك القاعدة الأمريكية، طلب أقرب إلى أن يكون استدعاء رفضه عبدالمهدي.
المؤكد أن ترامب لم يقم بزيارته تلك إلى قواته في قاعدة «عين الأسد» ليهنئ هذه القوات بعيد الميلاد فقط، ولكنه ذهب أيضاً ليعلن لكل من اتهموه بالتفريط في الأمن الأمريكي، وأمن ومصالح الحلفاء بالانسحاب المفاجئ من سوريا، أنه موجود، وبقوة، في العراق، وأن العراق قاعدة أمريكية متقدمة، وليس فقط القواعد الأمريكية الكثيرة المنتشرة في العراق، وهذا ما يفسر تصرفه المسيء للسيادة الوطنية العراقية بزيارة تلك القاعدة من دون استئذان القيادة العراقية، والذهاب مباشرة إلى هذه القاعدة من دون مرور بالعاصمة العراقية، ولقاء قيادة العراق. فمن الواضح أن ترامب أراد بكل هذه التصرفات أن يوجه العديد من الرسائل، أبرزها أن الولايات المتحدة لن تنسحب من العراق، بل العكس هو الصحيح. فالجيش الأمريكي يقوم بتوسيع قاعدته في أربيل لتخزين أكبر كمية من العتاد والأسلحة المتقدمة من صواريخ ذكية، ومدفعية ثقيلة، ودبابات، وناقلات جنود، وغيرها، مع تعزيز الوجود في القواعد الأخرى، خاصة قاعدة الرمانة في الأنبار، وقرب حقل «عكاز» الغازي، ليصل عدد هذه القواعد إلى 20 قاعدة عسكرية، منها ما هو معلن، ومنها ما هو سري.
تكثيف الوجود العسكري الأمريكي في العراق في تزامن مع الانسحاب من سوريا، يشير إلى خطة تقاسم نفوذ مع روسيا، بحيث تتولى روسيا أمر ترتيب الأوضاع السورية بما يؤمن مصالح «إسرائيل»، وبقية حلفاء واشنطن، وأن تسيطر واشنطن على العراق لتعويض خسائرها التي يتحدث عنها ترامب ليلاً ونهاراً، فنفط العراق لم يغب، على ما يبدو، عن عيون الرئيس الأمريكي، والأهم أن يكون بالقرب من إيران، إما استعداداً لحرب ضدها، وإما لاحتواء المشروع الإيراني، وجعل «العراق الأمريكي» حاجزاً بين إيران وكل من سوريا ولبنان.

المصدر: الخليج

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...