الرئيسية / مقالات / عبد الباسط سيدا يكتب: منطقتنا بين الحسابات الخارجية والتطلعات الداخلية

عبد الباسط سيدا يكتب: منطقتنا بين الحسابات الخارجية والتطلعات الداخلية

ارشيف
الرابط المختصر:

عبد الباسط سيدا

“لا نريد تغيير النظام وإنما نسعى لتغيير سلوكه”. هذه العبارة تدخل في باب “الغموض الخلاّق” الذي تعتمده الاستراتيجية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، سمعناها منذ دخول القوات الأميركية إلى العراق 2003. فقد اعتقد المتفائلون من السوريين واللبنانيين بأن الوقت قد حان لرفع الغطاء عن الأنظمة الاستبدادية، حتى تتمكن شعوب المنطقة من تقرير مصيرها بنفسها، الأمر الذي كان سيؤدي إلى توفير فرص التعليم والعمل للشباب، وتعزيز فرص التنمية، ومنع ظهور وتنامي الجماعات الإرهابية التي تتدثر عادة بلحاف التشدد الديني.

لكن الذي تبيّن فيما بعد هو أن المعني بتغيير السلوك لا يمس من قريب أو من بعيد حرية شعوب المنطقة ومستقبلها، بل هو أمر له علاقة بالحسابات الأميركية الخاصة بضبط معادلات التوازن، لتأتي موائمة لمحددات السياسة الأميركية التي لم تكترث كثيرًا بمستقبل شعوب منطقتنا، وإنما ركزت أكثر على عوامل ضبط المنطقة عبر جملة من الأنظمة السياسية التي أثبتت فشلها، بعد عقود من الفساد والاستبداد.

غير أن اللغط الذي أحاط بقرار الرئيس الأميركي ترامب الخاص بالانسحاب من سورية أثار الكثير من النقاش والتساؤلات، ولا سيما بعد استقالة وزير الدفاع ماتيس احتجاجًا على القرار المعني، وهو ما طرح تساؤلًا مشروعًا مضمونه:

هل هناك استراتيجية أميركية متكاملة حول سورية والمنطقة بصورة عامة؟ أم أننا أمام جملة من الاستراتيجيات الفرعية التي تعبّر عن توجهات المؤسسات التي تقوم عليها الدولة الأميركية؟ أم أن الموضوع برمته له علاقة باستراتيجية بعيدة المدى، محورها الالتزام بأمن “إسرائيل” أولًا، وتوزيع المهام بين القوى الإقليمية للحفاظ على المعادلة الصفرية بين محصلة تلك القوى؟ وربما نجد في تصريح وزير الخارجية الأميركي بومبيو، في أثناء لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في البرازيل، أمرًا يدعم وجهة النظر هذه. فقد صرح المسؤول الأميركي بأن الالتزام بالأمن الإسرائيلي هو أمر ثابت في سياسة بلاده، بصرف النظر عن تحولات المواقف أو التوجهات الأميركية في سورية.

بالعودة إلى موضوع أولوية تغيير سلوكية النظام الأسدي في الاستراتيجية الأميركية، يمكننا أن نستشف ملامح صيغة تعاقد جديدة، يتولى بموجبها هذا النظام مهمة ضبط الأوضاع سوريًا ولبنانيًا، وذلك لمصلحة الأمن الاستراتيجي الإسرائيلي الذي أعلن الوزير بومبيو صراحة التزام إدارته به.

لعل الكلام الذي صرح به ترامب، حول موضوع الاستقرار في العراق وليبيا في عهدي كل من صدام حسين ومعمر القذافي، يلقي ضوءًا تفسيريًا على خلفية القرار الأميركي الخاص بالانسحاب من سورية. فالرجل أعلن بصراحة أن الاستقرار، أو بتعبير أدق أن ضبط الأوضاع هو الهدف الأساس. أما حقوق الإنسان والشعوب، فهي في ظل وجود الاستبداد قضية ثانوية هامشية، لا تحظى بالأولوية المحورية التي تتمثل في مهمة ضبط الأوضاع.

يبقى السؤال عن بواعث غياب الدور العربي الفاعل في الموضوع السوري، وذلك مقابل الدور الإيراني القديم- الجديد، والدور التركي المتصاعد. هذا فضلًا عن الدور الإسرائيلي المتفق عليه روسيًا وأميركيًا.

فسورية تظل، على الرغم من كل ما حدث، دولة مفتاحية في المنطقة، تؤثر بصورة مباشرة في أوضاع كل من تركيا والعراق ولبنان والأردن، ليشمل التأثير المنطقة كلها، بما فيها دول الخليج. أما الإصرار الإيراني على التحكّم في الورقة السورية، فما هو إلا لتثبيت دعائم المشروع الإمبراطوري الفارسي الذي لم يفارق مخيلة الحكام الإيرانيين، بغض النظر عن توجهاتهم الأيديولوجية. وقد تمكنوا من استغلال المظلومية الشيعية، التي كانت أساسًا بفعل أخطاء الأنظمة العربية التي لم تدعم الشيعية الوطنية، وغضت النظر عن إصرار النظام الإيراني على انتزاع وظيفة المرجعية الشيعية. وهكذا أصبح الأخير المرجعية الروحية، والجهة المتكفلة بإنشاء الميليشيات المذهبية، ودعمها بكل السبل لاستخدامها أذرعًا لتنفيذ الساسيات التوسعية في المنطقة.

في الحالة السورية، لم يكن أمام الدول العربية من مجال لأداء دور فاعل إلا من بوابتي تركيا والأردن. وذلك لأسباب معروفة للجميع. ولكن لاعتبارات خاصة، ربما لها علاقة بموضوع الأمن الإسرائيلي، تم تعطيل أو تجميد البوابة الأردنية، في حين أن التفاهم السعودي – التركي الضروري لم يصل إلى المستوى المطلوب. وقد كانت النتائج واعدة، في حال توفر مثل هذا التفاهم، ووجود قسط من التنسيق.

في يومنا الراهن، هناك حديث عن رغبة بعض الدول العربية في الانفتاح على نظام بشار مباشرة، وذلك بهدف التواجد المباشر في دمشق، ومحاولة التأثير على النظام بشكل من الأشكال، فذلك هو في جميع الأحوال أفضل، وفق وجهة نظر أنصار التطبيع، من ترك الساحة خالية تمامًا أمام النفوذ الإيراني المتجذر والمتغلغل في مفاصل القرار ضمن دوائر النظام الحاكم في دمشق.

بالتزامن مع هذا التوجه العربي، هناك سعي حثيث من جانب النظام الإيراني للاستحواذ على المزيد من أوراق القوة والتأثير، من خلال توقيع الاتفاقيات الاقتصادية الاستراتيجية بعيدة المدى مع نظام بشار، وذلك بغية مصادرة أي احتمالية لتفاهم روسي – أميركي، من شأنها الحد من النفوذ الإيراني مستقبلًا.

هناك تحليلات واجتهادات كثيرة نقرؤها ونسمعها هنا وهناك، حول أبعاد ودلالات ومآلات الانفتاح العربي على نظام بشار، بعد كل ما تسبب به من كوارث كلّفت السوريين وسورية والمنطقة بأسرها الكثير من الضحايا والتدمير والتهجير.

ما نراه في هذا هو ضرورة بذل جهود جادة، من أجل الوصول إلى حل عادل لمصلحة كل السوريين. وليس من مصلحة أحد أن يستمر الصراع إلى ما لا نهاية.

منطقتنا في حاجة ماسة إلى الاستقرار. وهذا لن يتحقق من دون توفير الأمن والأمان لجميع شعوبها’ من دون أي استثناء، وقد أثبتت تجربة السنوات المنصرمة عقم سياسة المحاور الإقليمية التي استنزفت الكثير من الموارد البشرية والمادية. ونحن في سورية قد دفعنا الضريبة الأكبر في هذا المجال.

منطقتنا في حاجة إلى مبادرة من خارج الصندوق، إذا صح التعبير، تجمع بين الأطراف الإقليمية الفاعلة، ويكون هدفها التوافق على إيجاد الحلول لجملة المشكلات التي تعاني منها دول المنطقة، وذلك بهدف وضع حدٍ لحالة تدمير الإمكانات الذاتية بأدوات محلية، التي نعيشها راهنًا.

ربما يرى بعضهم أن تصورًا كهذا يدخل في باب التمنيات الوردية، وحجتهم في ذلك حالات الاحتقان الأيديولوجي المستعصية، سواء المذهبية أم القومية التي نراها في كل مكان. ولكننا -مهما فعلنا- لن نصل في نهاية المطاف إلى برّ الأمان، من دون اتخاذ الخطوات الناضجة الشجاعة المسؤولة، ولنا في التجربة الأوروبية خير مثال.

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمد طلبة رضوان يكتب: هل نحن مهزومون حقاً؟

محمد طلبة رضوان الاعتراف بالواقع نصف تغييره.. نعم، واجهنا هزيمة في مصر، ...