الرئيسية / مقالات / عمر قدور يكتب: حجاب العقل!

عمر قدور يكتب: حجاب العقل!

الرابط المختصر:

عمر قدور

قبل يومين أثار فراس السواح ضجة على وسائل التواصل الاجتماعي إذ كتب على صفحته في فايسبوك: “تعميم: أنا لا أقبل طلبات صداقة من المحجبات. حجاب الرأس يعني حجاب العقل”. السواح اشتُهر ضمن الحلقة الضيقة للمثقفين في النصف الثاني من السبعينات بكتابه “مغامرة العقل الأولى”، وحينها كان ثمة قحط سوري في الدراسات التي تخص ميثولوجيا المنطقة. ثم شاع اسمه، لدى من يعرفه ومن لا يعرفه، في بداية الثورة بسبب اتخاذه موقفاً مناهضاً لها، إلى أن أتت تدوينته الأخيرة لتذكّر به من جديد.

بعيداً عن ردود الأفعال التي نراها عادة على وسائل التواصل، وتتراوح بين الشتائم والنقد والتهكم، يقودنا ما كتبه السواح إلى قضايا تخص موقع المثقف ونوعية الثقافة التي يتمثلها، ومن ثم إلى ذلك الفهم العامي الذي لا يندر توافره لدى المثقف ومنتقديه. ما كتبه السواح ينقسم بين عبارتين؛ الأولى تتعلق حقاً بحريته الشخصية المطلقة، فمن نافل القول أن من حق أي شخص قبول صداقة الذين يروقون لمزاجه أو لأفكاره. العبارة الثانية فيها مصيبة معرفية كبرى، فالقول أن “حجاب الرأس يعني حجاب العقل” فيه من القطعية مما لا يصدر سوى عن عقل إيماني، وإن أتى هذا الإيمان بزعم العلمانية على النقيض من الإيمان الميتافيزيقي. هكذا يصبح زعم العلمانية ديناً آخر على نقيض من الدين، ويصبح أصحاب الدين العلماني من “الفئة الناجية” على صعيد العقل، ويحق لهم تكفير غيرهم وإن أتى التكفير بلغة مغايرة تقيم تفاضلاً عقلياً لصالح الفئة الناجية.

الأمر لا يتعلق بالسواح تحديداً، فلا يندر أن نرى بين قسم من العلمانويين السوريين تلك النبرة المتعالية على المسلمين تحديداً، وذلك الفهم الذي يستثمر معارف نقد الأديان للنيل من الإسلام تحديداً، لتغيب تلك النغمة لدى تناول مظاهر تخص ديانات أخرى. قد نردّ هذا التشنج إلى واقع سياسي، تبرز فيه الحركات الجهادية والأصولية، وتسعى إلى هندسة المجتمع وفق تصوراتها، إلا أن هذا الفهم لا يعفي أولئك العلمانويين من الحد الأدنى من المعرفة، الحد الذي يقتضي التفريق بين المستوى الإيماني للدين والمستوى الذي يتحول فيه الدين إلى سلطة قهر. في المستوى الأول لا نستطيع الزعم بأن ملايين المسيحيين مثلاً قد أقلعوا عن إيمانهم، وقد أقلعوا عما يراه غيرهم من اللادينيين بمثابة خرافات أو أساطير؛ ما حدث هو التراجع المطلق في سلطة الكنيسة السياسية، أي أن الصراع كان وما يزال الآن في السياسة. وفي السياسة يُفترض بأي نقد، أو أية مواجهة، الاتجاه إلى الخصم الفاعل سياسياً وتحييد أولئك الذين يتشاركون معه على المستوى الإيماني من دون شراكة على المستوى السياسي.

تحمل ذاكرة السوريين حادثة شهيرة في مطلع الثمانينات، عندما نزلت مظليات الأسد إلى الشوارع ونزعن الحجاب عن النساء بالقوة. إذا شئنا الانتباه إلى آثار تلك الحادثة المشينة فسنرى كيف ازدادت نسبة النساء المحجبات بدءاً من ذلك التاريخ، والحجاب الذي كان شأناً شخصياً تحول لدى البعض إلى نوع من هوية مضادة لسلطة الأسد، من دون أن نغفل عن دور الإعلام في صعود الموجة الإسلامية في عموم المنطقة. ما لا ينبغي إغفاله أننا شهدنا في الفترة نفسها زيادة نسبة المحجبات في الفضاء العام، في الجامعات وفي سوق العمل، ويمكن الجزم بأن نسبة التعليم بينهن قد ارتفعت بشكل ملحوظ، بما في ذلك المستويات العليا من التعليم وأحياناً من جامعات عالمية مشهود لها.

فكرة الحجاب التي ترهب البعض تجعله عديم الانتباه “فوق كونه عديم الرحمة” إلى أن جزءاً من ظاهرة ازدياد الحجاب في الفضاء العام يعود إلى تقدم شريحة كانت مقصية عن ذلك الفضاء، ومن الواجب الأخلاقي الدفاع عن وجود تلك الشريحة بدل بقائها حبيسة الجدران حيث يكون “حجاب العقل” الفعلي. الافتراض الآخر الذي يستلزم قليلاً من الرحمة هو القول أن تلك النسوة جميعاً قد وضعن الحجاب جراء ضغوط دينية واجتماعية، وإذا كان من يمارس عليهن تلك الضغوط يمتلك قدراً من التسامح يسمح بتعليمهن وعملهن فسيكون من النازية الفكرية دفعهن إلى ما وراء الجدران كرمى لأشخاص يفضّلون الفضاء العام “معقّماً” من الحجاب؛ ذلك أشبه بإرسال الفقراء إلى المحارق بدعوى القضاء على الفقر.

لئلا نقصر النقاش على الجانب النظري؛ لو افترضنا صدور هذه الإهانة في أي بلد ديموقراطي، بما في ذلك فرنسا التي تُعد الأكثر تشدداً على صعيد العلمانية، فإن صاحبها معرّض للمحاكمة بتهمة التمييز، ولرأينا نساء سافرات قبل المحجبات يرفضن الانتقاص من القدرات العقلية على أساس نوع اللباس. ومع أن القوانين العربية برمّتها قاصرة في معاقبة جرائم التمييز إلا أن هذا القصور في سوريا يتزامن مع تحولها إلى أرض للإفلات التام من العقاب، ومن المؤكد أن جرائم الإبادة المادية تشجع جرائم الإبادة المعنوية بكافة أشكالها. هكذا لا يمكننا عزل زلة فراس السواح عن مناخ عام لا يجوز وصفه بالكراهية وعدم قبول الآخر، لأنه في مرتبة غرائزية أدنى نرى فيها الخطاب الفكري محايثاً ومتمماً لكافة الجرائم.

بالعودة إلى زعم العلمانية الذي يقف وراء إطلاق حكم من نوع “حجاب الرأس يعني حجاب العقل”؛ لا نحتاج فطنة للقول أن عبارات من هذا القبيل تعيد إلى التنظيمات المتطرفة ما تخسره بممارساته مضاعفاً، وكأن أصحابها يهدفون عن وعي إلى تغذية التطرف، وكأنهم موضوعياً شركاء لمن يعتبرونه عدوهم اللدود. من المعتاد أن تستنفر إهانة أية مجموعة بشرية رد الفعل الأكثر راديكالية، سواء كانت المجموعة دينية أو عرقية، وفي حالتنا من المعتاد أن يزداد سوء الفهم الحاصل للمسألة العلمانية، طالما وجد من يتبرع بتصويرها كعدو للدين.

ما يرفضه هؤلاء العلمانويون، أسوة بنظرائهم الإسلاميين، هو مبدأ الحرية الشخصية التي تتضمن الحق في الإيمان والحق في عدم الإيمان والحق في ألا يكون أي شخص في إحدى المنزلتين، وكذلك الأمر بالنسبة للحجاب وكل ما يتعلق بالحرية الشخصية. هذا النزوع إلى الهندسة الاجتماعية، بتعبير ملطّف جداً، ينقض أساس العلمانية التي تتسع للمتدينين وغير المتدينين ما دام كل منهم يقرّ بحرية الآخر، وما دام كل منهم يقبل بدولة على مسافة حقوقية واحدة من الطرفين. مع حجاب العقل الحقيقي الذي يدع الغرائز تنفلت بلا حساب، يحق لنا التذكير بأن المعرفة وحدها لا تصنع ثقافة، وأن الخلط بينهما كان دائماً على حساب الثانية.

المصدر: المدن

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...