الرئيسية / ضيوف وزوار / مروان العش يكتب: يَوْمَ قُتِلْتُ صَعْقاً

مروان العش يكتب: يَوْمَ قُتِلْتُ صَعْقاً

الرابط المختصر:

مروان العش

مطار المزة العسكري، فرع التحقيق التابع للمخابرات الجوية، يوم 16/01/2013 الساعة الثامنة صباحا … يصرخ السجان؛ مروان العش للتحقيق، نظرت حولي والأعين تحكي بصمت قائلة: جاء دورك، نستودعك الله … ودعت من حولي كالعادة لأن الخارج مفقود، وأوصيت بما أملك من بقايا اقتصرت على جاكيت كنت أتدثر به.

باللباس الداخلي الشورت “سليب” عارياً خرجت للتحقيق، قام “المجند” بحلق ذقني التي طالت خلال شهرين بآلة حلاقة كهربائية صدئة تنتف البشرة والشعر معاً، وسلمني لرئيس المناوبة الذي رفسني (ركلني) بينما كنت “مطمش” أي معصوب العينين أسمع ما حولي ولا أرى شيئاً.

سحبني من يدي، وبدفعة واحدة وجدت نفسي ملقى على الأرض والضرب واللكمات تنهال علي من كل اتجاه، لم أستوعب ما يجري وسقطت أرضاً بينما تعلو الأصوات بحقد ينز مع كل حرف صارخة : “فاعل خير يا إبن الحرام، إرهابي يا مجرم، تقوي الإرهابيين ضد جيش الوطن!!!”.

كان يوماً ولا كالأيام، كان يوم قتلت تحت التعذيب ولقيت وجه ربي آمنا مطمئنا واثقا إخلاصي لثورتي … كان يوم مشهوداً؛ سبعة عشر ساعة من الضرب والصعق الكهربائي بكل أنحاء جسدي الرطب المبلل بالماء الذي سكبه المحقق مع “شبحي” معلقاً ليزيد ألمي وصراخي وإرهاقي لأقر بما يرغبون “أنني ارهابي”، جلبت الطعام لجوعى و اشتريت الدواء لمرضى واستأجرت غرفة بلا نوافذ ولا كهرباء ولا أثاث لعائلات مهجرة من بابا عمرو و جورة الشياح، وجمعت ما استطعت من مالي ومال أحبة وأصدقاء لنستر ونعين أبناء وطننا القادمين لعاصمة الوطن دمشق فراراً من “جيش الوطن” المزعوم، فعرفت في تلك اللحظة فقط تعريف “الإرهابي” لديهم.

الضرب واللطم والصفع وتكسير الأضلاع وأربعة وحوش ثقيلي الوزن عديمي الأخلاق والأصل والدين يطحنون جسدي العاري ويقفون فوق “شبه جثتي” الهامدة إلا من آلام نزع الروح لبارئها …  وقف أحدهم ووزنه ربما زاد عن 100كغ كما قدرته، وقف فوق جسدي أخذ بالقفز بينما يصرخ أمام معلمه ضابط التحقيق “والله والإمامو علي لرجعك لقوط أمك”، وأنا أصرخ محاولاً بيأس مقاومة الوحوش الأربعة الذين ثبتوا جسدي تحت حوافرهم بينما ضابط التحقيق “العقيد زياد اسماعيل” يسحقني بمقدمة حذائه المدبب صارخاً “بدي أقلع عينوك يا كلب، كيف ما تسترجي تمول الإرهابييييي، كيف ما تطعمي نسوانين وأطفالين، هني  عيل إرهابيييي لازم نسحقهيم، مين كلفك تجيبلين أكل ودوا، عامل حالك نبي، ما تتبرع لعيل ما تقتل الجيش، ما توزع خبز لأهل حمص، بدي خليك عبرة لمن يعتبر “.

كانت روحي المعلقة بين جسدي المتهالك والسماء تصرخ وتصرخ وتصرخ؛ أيها الجلاد أيها الوحش، أما في قلبك وروحك ذرة من إنسانية!!! … شتاء وبرد و ثلج تشرين وكانون في دمشق ٢٠١٢ يلسع ملاحقاً مظلومين هاربين من الموت، جد وجدة وخمسة أطفال وأمهم هربوا من حمص القديمة لا يملكون سوى سقط ملابسهم وثلاثمائة ليرة سورية، فروا إلى دمشق عاصمة وطنهم؛ عاصمة الظلم هرباً من قصف وقتل ومعارك ظنوا يوماً أن جيش الوطن لن يخوضها إلا مع عدو البلاد الخارجي المفترض، وأن تلك المدرعات والدبابات والقاذفات مسخرة لمواجهة عدو البلاد الخارجي وحماية حدود الوطن.

كنت أصلي العشاء في مسجد قريب من سكني، حاملاً مسبحتي أذكر الله عائداً للبيت، في زاوية المسجد تكومت “تكدست” العائلة و جلس “الجدط تائها حائرا زائغ النظرات أمام مصابه ومسؤولياته، لاحول ولا قوة ولا أمل إلا أن يقبض الله روحه بينما الأطفال يبكون وهم يراقبون بحسرة قطعة خبز بيد صغيرهم ذي الثلاث سنوات يشارك بها أخته.

توقفت وتقدمت سائلاً: “ما حاجتك يا عم؟” … رفع الرجل نظره وهو يتأملني مليا وصمت … شعرت أنني أحرجته، وهل يسأل رجل بهذه الحال!!!.

 تقدمت خطوة وأصغيت للرجل الذي بدأ يتمتم بنبرة تحسر : ” عمي نحني من حومص وهي هيي حالنا” .. “أنا أبو كرمو، أحمد ق، وهؤلاء أحفادي وعيلتي، هجرنا بيوتنا ومرابعنا عندما دخل “الجيش” وقتل شبابنا وأحرق بيوتنا … لأني الناس طالبيت بكرامتها … هربنا ووصلت هنا، وكما ترى الأطفال يرتجفون من البرد”.

ضاقت بي الدنيا لحظتها ولم أعد أفكر إلا في أين ستنام هذه العائلة وكيف أؤمن لها أمين فرش وأغطية وطعام … اتصلت بصديق لديه شقة فارغة صغيرة قيد الإكساء وعرضت عليه حاجتي فوافق بعد أن “ضمن أنهم من طرفي” ووافق على تسليمنا الشقة فوراَ … أحضرت سيارتي، ركبت العائلة، وأدرت الهواء الساخن في السيارة … قال “الجد” : منذ ثلاثة أيام لم اشعر بالدفء بعد خروجي قبل أسبوع من بيتي في حمص.

أحضرت مفتاح الشقة، دخلناها والأطفال ذاهلون يسألون “أين نحن”، ليجيبهم “الجد”: أنتو بالشام وياللي بالشام ما بينضام” … دمعت عياني؛ “وكيف ذلك يا عم والشام تداس بالأقدام الغريبة وتهان من وحوش وضباع لا أصل ولا أخلاق لها”.

اتصلت بصديق آخر فأحضر فرشات الاسفنج والاغطية وبعض المستلزمات بينما كانت الساعة تدق العاشرة ليلاً والخوف يقطع الليل من المخبرين والحواجز وعيون مختلسة من هؤلاء.

هذه عينة وحالة “الإرهابيين” الذين كان يضربني ويصعقني الضابط المحقق لأعترف بمساعدتهم، يضربني بينما كان يلوي عنقي لأتوقف عن الصراخ، بينما كان يصرخ بحقد وفجور “إن كان لك رب فيخلصك من يدي”.

ساعة قاربت روحي على الخروج من جسدي قبيل منتصف الليل بعد نهار طويل من تعذيب ودم و جروح وكسر لأسناني الامامية، حملني “سخرة” الفرع من المعتقلين بينما فتح السجان باب الزنزانة الجماعية وأمرهم بقذفي/رميي داخل الجماعية ففعلوا، أحسست لحظتها أن ما تبقى من روحي قد فارق جسدي … غبت ثلاث ساعات عن الوعي بينما كان زملاء الاعتقال والإنسانية والوطن يعتنون بي ويمسحون الدماء ويضعون قطع الخبز الرطب على الجروح، ويسمحون لجسدي بالتمدد ليملأ “حصة” ثلاثة معتقلين من المكان، بينما كان آخر يقرأ لي القرآن ليخفف عني …رأيت ملائكة تحفني وأضواء لامعة لا أدرك معناها، لقد ضربني الضابط المحقق على عيني ولم أعد أرى إلا وهجا و نوراً باهراً لا أدري مصدره رغم أن الزنزانة الجماعية معتمة بلا ضوء.  

صحوت بعد ساعات لأعي أنني في الزنزانة وليس في القبر أو الحلم … هنأني زملاء الجماعية على “السلامة!!!” بينما كان كل عضو في جسدي يصرخ ألماً … وكان من الجيد أن عضوي التناسلي قد سلم بعد صعقه بالكهرباء وهم يضحكون و يسخرون “ما نبشرك … آفي تجيب أولاد بعد اليوم”.

المصدر: آفاق مشرقية

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

لماذا لم تثر كلية الشريعة في حلب؟

محمد أمير ناشر النعم في بداية الثورة سنة 2011 وحتى نهاية 2012 كانت معظم كليات جامعة ...