الرئيسية / مقالات / رانيا مصطفى تكتب: تحجيم إيران في سوريا: مهمّة روسية شاقة

رانيا مصطفى تكتب: تحجيم إيران في سوريا: مهمّة روسية شاقة

الرئيسان بوتين وروحاني - أرشيف
الرابط المختصر:

رانيامصطفى

يتواجه الروس والإيرانيون في سوريا، لأول مرة، في سهل الغاب بريف حماة الغربي، وبعناصر سورية، هي الفرقة الرابعة في جيش النظام وميليشيات الدفاع الوطني المدعومتين من إيران من جهة، والفيلق الخامس المدعوم من روسيا من جهة أخرى والذي تشكّل أواخر 2016 ويضم موظفين وعسكريين سابقين وعناصر المعارضة الذين قبلوا بالمصالحة، كقوة تنافس الميليشيات الإيرانية.

أراد الروس السيطرة على القرى المتاخمة لمناطق المعارضة في إدلب، لمنع إيران من تقويض اتفاق المنطقة العازلة في إدلب، ولتأمين الخطوط الأمامية المتاخمة لنقاط المراقبة الروسية في ريف حماة الشمالي الغربي والشرقي بعناصر من الفيلق الخامس، فضلا عن قرب سهل الغاب من قاعدة حميميم الجوية الروسية.

دعمت كل من روسيا وإيران النظام، بعد تصدّع جيشه، ومنعت سقوطه؛ وفي هذا السياق جاء القصف الجوي الروسي داعما للتوغل البري للميليشيات التابعة لإيران.

وبسبب المخاوف التركية من تمكن أكراد حزب الاتحاد الديمقراطي من تحقيق استقلالية على حدودها مع سوريا، اتفقت أنقرة مع موسكو على مقايضة حلب الشرقية بدرع الفرات، وتكرّر السيناريو في بقية المناطق، عبر سلسلة اتفاقات أستانة، ما مكّن روسيا من استعادة السيطرة على مناطق واسعة. وفي هذا السيناريو اضطرت روسيا إلى إشراك إيران، ضمن حلف الدول الضامنة الثلاث، لضمان نجاح الاتفاقات، بسبب توغلها العسكري الكبير ضمن جيش النظام، وميليشيا الدفاع الوطني، وعبر ما تقدّمه في هذا السياق من تمويل سخيّ نسبيا.

الحاجة الروسية الميدانية للتواجد الإيراني، لم تمنع موسكو من النظر إلى حليفتها طهران كمنافس على السيطرة على مفاصل القرار السياسية والعسكرية والاقتصادية داخل بنية النظام السوري. كما أنها حاجة مؤقتة بسبب اختلاف الأجندات.

موسكو تريد السيطرة على كل سوريا من أجل التفرّد بغلة إعادة الإعمار، ولا يضيرها التوافق مع أنقرة، وتحقيق بعض مصالحها وأمن حدودها، وبالتالي تتطلع موسكو إلى السيطرة على مناطق النفط والغاز في شرق الفرات بعد الانسحاب الأميركي، ولن تسمح لمنافسها الإيراني من الاقتراب، وهو ما لا تريده أيضا كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا ودول المنطقة العربية.

وأجندة طهران في سوريا هي تعزيز تواجدها العسكري الطائفي، على غرار ميليشيا حزب الله في لبنان، وفتح ممر أرضي بين العراق ولبنان عبر الأراضي السورية. ودعمت توغّلَها العسكري الميليشياوي، وسيطرتها على فرقٍ من الجيش النظامي، بانتشار أيديولوجي ثقافي وديني، ودفعت الأموال لهذه الغاية، مستغلة الحالة المتردية الاقتصادية والأمنية لسكان المناطق المنكوبة. فبنت مراكز شيعية ومدارس دينية في محافظة درعا الجنوبية الغربية، وهي توفر فرص عمل للشباب وحماية من اعتقال النظام لهم أو تجنيدهم، وبالمثل في دير الزور، تشرك القبائل في ميليشياتها، عبر شراء الولاء المحلي وتقديم مساعدات مالية، وتقديم محفّزات قيّمة لطلاب اللغة الفارسية في مدارس وجامعات الحكومة، بعد أن أجبرت النظام على افتتاح فروعها، فضلا عن نفوذها الكبير في محيط دمشق في السيدة زينب، ومحاولة إحداث تغيير ديموغرافي، عبر شراء العقارات، في دمشق القديمة، وصولا إلى الحدود اللبنانية.

إذن تواجه روسيا مهمّة تحجيم إيران، مع اختلاف في الأجندات، والرفض الدولي والإقليمي والعربي للنفوذ الإيراني في سوريا، وأن يكون المضي في الحل السياسي ومشاركة الدول المانحة بإعادة الإعمار مشروطين بإخراج آخر جندي إيراني من سوريا، وفق تعبير وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في القاهرة في العاشر من الشهر الجاري.

قرار ترامب الأخير بالانسحاب من سوريا ترافق مع نهاية الصراع المسلّح، وتسليم الملف السوري إلى روسيا، وفق اتفاق جنيف1 بين فلاديمير بوتين وباراك أوباما في 2012، وكان المقابل انكفاء روسيا من المحيط الهادئ، حيث تعزّز واشنطن تواجدها العسكري لمواجهة خطر الصين الاقتصادي.

هذا لا يعني أن روسيا مرتاحة لقرار الانسحاب الأميركي المفاجئ، دون مفاوضات روسية – أميركية، فهو يلقي على عاتقها مهام صعبة، فعليها ترتيب الوضع السوري على وقع الشروط الأميركية أولا وحليفيها العربي والإسرائيلي، وبما يرضي شركاءها في حلف أستانة.

التوافق مع تركيا جار حول مصير إدلب، بالتوازي مع مفاوضات حول مقايضات تخصّ المنطقة الآمنة التي تريدها تركيا، وترتيب وضع شرق الفرات، بعد حصول توافق أميركي- روسي، وتوافق أميركي- تركي.

أمام موسكو تحديان كبيران لإثبات جدارتها بأحقية النفوذ في الشرق الأوسط، لها مصالح متنامية، وكسر عزلتها الدولية. ويتمثل التحدي الأول في قدرتها على تحجيم التواجد الإيراني، بما يرضي الداعمين في ملف إعادة الإعمار، وما يحقق الشرط الإسرائيلي – الأميركي.

العقوبات الأميركية الاقتصادية على إيران، والقصف الجوي الإسرائيلي، والذي استؤنف بكثافة مؤخرا، بغض نظر روسي، عن رغبة وطيب خاطر، كل ذلك ساعد الروس في تغيير موقفهم من إيران، واضطرهم مؤخرا إلى التصريح بأن إيران ليست شريكا لروسيا في سوريا، وقبل ذلك عقدوا اتفاق إدلب في سبتمبر العام الماضي، دون مشاركة إيران، وتكثفت المساعي الروسية مع دول عربية لإعادة علاقاتها بالنظام، شريطة تحجيم إيران، وصولا إلى الاقتتال الدامي الأخير الروسي- الإيراني، بأيادٍ سورية- سورية، للسيطرة على مناطق استراتيجية.

والتحدي الثاني هو تحقيق الحل السياسي وحل عقدة الرئيس بشار الأسد؛ ورغم أن التحجيم الإيراني سيضعف قدرة الأسد على المناورة بين المصالح الروسية والإيرانية، إلا أن وضع روسيا كل مصالحها في سلة إعادة تعويم النظام سيعقّد قدرتها على تحقيق هذه المصالح، وستقع روسيا في ورطة حقيقية إذا ما شرّع الكونغرس الأميركي قانون قيصر الذي أقره مجلس النواب؛ لأنه سيعني تجريم الأسد وشركائه، وفرض عقوبات على كل من يدعمه، ويصبح التخلي عنه شرطا إضافيا لتحقيق قبول دولي يسمح بالمشاركة في إعادة الإعمار، يضاف إلى شرط تخفيف التواجد الإيراني من سوريا.

وما يعقّد الوضع السوري هو ربطه بملفات إقليمية تشارك فيها روسيا وتركيا وإيران، إضافة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل ودول أوروبية، وتربط دولا عربية هي العراق ولبنان والأردن وفلسطين وسوريا، ومحور هذه الملفات هو تحجيم الدور الإيراني في المنطقة.

قد يتكرّر اقتتال سهل الغاب في دير الزور وفي حلب أو دمشق، لكن روسيا مازالت تراهن على الحل الدبلوماسي مع إيران، والمتمثل في استمرار عقد اجتماعات الدول الضامنة.

المصدر: العرب

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...